اكد خبير بريطاني متخصص في العلاقات الاوروبية ـ الغربية ان استمرار حالة التشتت العربي وعدم اتفاق الدول العربية على ما وصفه بالحد الادنى من الاستراتيجية بعيد المدى المتعلقة بالنزاع مع اسرائيل, سيؤدي الى استمرار حالة اللاحرب واللاسلم التي تعيشها المنطقة . وردا على سؤال حول الحوار العربي ـ الامريكي او الغربي عموما, وكيفية اختراق العقلية الغربية (في اوروبا وامريكا), او التعامل معها ومحاورتها بالطريقة الصحيحة التي تقود في النهاية الى تصحيح المفاهيم المغلوطة والصور الانطباعية الخاطئة, قال الخبير البريطاني الذي طلب عدم ذكر اسمه: عند الحديث حول هذه القضية يجب الاعتراف اولا بان كل المحاولات التي تمت منذ عقود طويلة مضت بين اطراف عربية من جهة واطراف غربية او امريكية من جهة اخرى, لم ترق بعد الى مستوى الحوار بمعنى الكلمة (اي حوار الأخذ والرد, والرأي والرأي الاخر). وذلك بالرغم من المصالح المشتركة التي تجمع او يلتقى عندها الطرفان. ذلك انه وبالرغم من الاتصالات المبكرة التي تمت بين العرب والدول الغربية او امريكا بالتحديد, لم تتمكن الثقافة العربية من احداث التأثير المطلوب في العقلية او في الثقافة الغربية والامريكية رغم تأثر الاخيرة بثقافات اخرى متعددة من بينها الثقافة اليهودية. وعن ابرز اسباب هذا الوضع قال الخبير البريطاني في حديث (للملف السياسي) : بطبيعة الحال هناك اسباب عديدة لهذه الظاهرة ابرزها ان المساهمات العربية في ثقافة الغرب ظلت محدودة جدا, لان اوائل المهاجرين العرب الى اوروبا وامريكا ظلوا دائما يركزون على لقمة العيش, ولم تشغلهم كثيرا قضية التأثير في المجتمعات التي هاجروا اليها بنفس الدرجة التي تأثروا بها لبعض الوقت. وذلك اضافة الى الميراث او التاريخ غير المشجع في هذا المجال. وذلك قبل ان تعود اليهم صحوتهم مؤخرا ويبدأوا في تجميع صفوفهم والبحث عن المكانة المناسبة لثقافتهم ومصالحهم. وعلى العكس من الجهد العربي نلاحظ ان تأثير الثقافة اليهودية في ثقافة الغرب وفي الثقافة الامريكية ظهر جليا منذ عقود طويلة. حيث سعى اليهود اينما كانوا, ومنذ وقت مبكر جدا, الى تجميع صفوفهم ولم تشتتهم وفقا لمبادئ حكماء صهيون, كما سعوا لاثبات وجودهم وللتأثير في اي مجتمع استقروا فيه لبعض الوقت. وقد امكن للتأثير اليهودي ان ينمو ويزدهر في اوروبا وامريكا عندما ركزوا على المجال الاقتصادي والسياسي والاعلامي, واصبح لهم صوت مسموع في الانتخابات العامة على اختلاف مستوياتها. ابتداء من انتخابات المجالس المحلية وحتى البرلمانات وإلى الانتخابات الرئاسية. ولما كان المال والاعلام هما اللذان يصنعان السياسة في الغرب عموما, وفي امريكا بشكل خاص, كما هو معلوم للجميع, فان اليهود اصبحوا بنفوذهم المالي والاعلامي مؤثرين في صنع السياسة واتخاذ القرار. وهذا ببساطة يمكن ان يفسر لنا الالتزام الشعبي والرسمي الغربي والامريكي تجاه اسرائيل باعتبارها قضية اليهود الاساسية. انه النفوذ الواسع والمنتشر داخل دوائر صناعة القرار. اما عن امكانية اختراق الاعلام الديني الغربي والامريكي والتأثير فيه من قبل العرب, قال الخبير البريطاني: ذلك امر لا يمكن الجزم فيه هنا.. لان الاختراق هنا مرتبط بمدى النفوذ الذي يتمتع به العرب داخل دوائر صناعة القرار في اي مجتمع كان. وحتى الان, كما ذكرنا آنفا, فان النفوذ العربي مايزال محدودا للغاية, وان وجد فلا يمكن ان نعتبره نفوذا عربيا بل هو نفوذ يعود للدولة العربية التي سعت الى ممارسة بعض الضغط للتأثير في صناعة القرار لاعتبارات ومصالح تهمها بالدرجة الاولى, اكثر مما تهمّ المصلحة العربية العليا, وقد لا تكون لها علاقة بالصراع العربي ــ الاسرائيلي على الاطلاق. اذا, فلا مجال هنا للحديث عن اختراق الاعلام الديني الغربي او الامريكي, والتأثير فيه من قبل العرب, قبل الحديث عن اختراق دوائر صناعة القرار اولا والتأثير فيها. ومما لاشك فيه ان الروابط المسيحية ــ اليهودية التي ازدادت قوتها خلال القرنين الاخيرين تعد احد معوقات اي تقارب مسيحي ـ اسلامي او عربي, لكن هذا لا يعني ان الكنيسة مازالت تحتفظ بنفس دورها التاريخي المؤثر في الرأي العام وفي صناعة القرار. فالخبراء يجمعون على ان المال والاعلام اصبحا هما المؤثرين الرئيسيين في تشكيل الرأى العام وفي صناعة القرار, بما في ذلك القرار الديني. وردا على سؤال حول جماعات الضغط وامكانية الاستفادة منها للتأثير على الرأي العام الغربي وقادة الرأي فيه قال الخبير البريطاني: يجب التأكيد هنا مرة اخرى على الدور الهام الذي تلعبه وسائل الاعلام ودوائر المال والأعمال. لانها في اعتقادي هي التي تشكل الرأي العام وتصنع قادة الرأي العام وصانعي القرار. وبالنسبة لجماعات الضغط فانها تلعب دورا هاما ايضا, لكنه لا يتفوق ولا يمكن ان يتجاوز دور الاعلام والمال. وهكذا نجد ان رؤية المواطن الغربي للنزاع العربي ــ الاسرائيلي تحددت وتتحدد وفقا لما تراه دوائر الاعلام والمال, ونظرا للتأثير اليهودي على هذه الدوائر, ولغياب التأثير العربي المماثل فان التعاطف مع اليهود ودولتهم سيظل اقوى من التعاطف مع الموقف العربي وقضية الفلسطينيين. واشار الى وجود بعض الدوائر الغربية المتعاطفة مع العرب, لكن تأثيرها مايزال محدوداً ويحتاج الى موقف عربي او استراتيجية عربية موحدة او غير متباينة. كما يتطلب الامر جهود ضغط عربية منسقة اذا لم تكن موحدة, والاستفادة من الجاليات العربية المقيمة في الغرب بشكل مفيد, مع استخدام المال العربي ومصالح الغرب بشكل مدروس وفعال. حينئذ فقط, كما يقول الخبير البريطاني, يمكن القول ان الفجوة العربية ـ الغربية عموما والامريكية على وجه الخصوص اصبحت قابلة للانحسار, وان الموقف العربي ليس فقط بشأن النزاع مع اسرائيل وانما بشأن مختلف القضايا, اصبح مسموعا.