تحديات جمّة تواجه السلطة الفلسطينية من الداخل والخارج. فمن جهة تشهد عملية السلام احتضارا مؤكدا في ظل التعنت الاسرائيلي ومواقفه الاستفزازية. ومن جهة اخرى تبرز قضايا داخلية كالفساد المالي والاجتماعي والاقتصادي داخل السلطة والتشكيك بدور ونزاهة المجلس التشريعي. وتعلو اصوات المعارضة في الداخل والخارج . ويدعو البعض لخلافة عرفات وتزداد المراهنات على السلطة وقدرتها على السيطرة واعلان الدولة. في ظل هذه الاوضاع وتفاصيل اخرى كثيرة كيف تبدو صورة المرحلة المقبلة. وما هي السيناريوهات المحتملة في ظل فشل عملية السلام والتي يراها البعض فشلت فعليا. حول هذه المحاور كان لــ(الملف السياسي) لقاء مع الاستاذ أنيس الخطيب عضو المجلس الوطني الفلسطيني وعضو المجلس الثوري لحركة فتح وأحد مؤسسيها. ومعه كان الحوار التالي: أبوظبي ـ مكتب البيان في ظل الظروف والمعطيات الحالية هل السلطة الفلسطينية قادرة على انجاز وعد اعلان الدولة؟ ان اعلان الدولة الفلسطينية هو امر قائم عمليا منذ عشرات السنين. فالدولة بمفهومها العام والقانوني هي الارض والشعب والسلطة وفلسطين الارض موجودة والشعب موجود ولكن السلطة كانت منتصبة من قبل الآخرين. ونحن لا نخجل ان نقول بأن السلطة مازالت منقوصة وجزء كبير منها مغتصبا سنحاول انتزاعه شيئا فشيئا. وباعتقادي ان وعد اعلان الدولة هو طرح سياسي ليخلق نوعاً من الضغط على اسرائيل. ولكننا اولا واخيرا موجودون على ارضنا وسيتم اعلان دولة ذات سيادة ولا خلاف على ذلك لأنه عمليا وقانونيا هناك دولة فلسطينية قائمة ولكن الخلاف على مدى استقلالها الاقتصادي والسياسي والأمني وهذا ما تسعى اليه السلطة ومن قبلها منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني كاملا ونحن جميعا مازلنا في وضع نضالي لاستكمال السلطة على ارضنا والتي مازالت في معظمها مغتصبة.. كيف تجدون العلاقة الرسمية بين السلطة واسرائيل؟ لاشك ان هذه العلاقة التي يحكمها تواجد طرفين على ارض واحدة والتي شهدت نضالا وقتالا لفترة طويلة من الزمن ومسيرة نضالية اعتمدت الكفاح المسلح لأكثر من ثلاثين عاما وكانت امتدادا لثورات مسلحة فلسطينية منذ بدايات القرن الحالي وقد بدأت مؤخرا في تكملة مشوارها النضالي بأساليب اخرى وهو اتفاق المبادئ في(اوسلو) وهو لا يعني اتفاقية صلح كما حصل مع قطرين عربيين سابقا هما مصر والاردن ولكنه فترة زمنية لتطبيق مبادئ متفق عليها في(اوسلو) وفي حال انجاز تطبيقها فعليا على ارض الواقع تتم الاتفاقية للصلح بين الطرفين. وهذا حال كافة المسيرات النضالية والكفاح المسلح في اي بقعة من العالم حيث تنتهي باتفاقيات ومؤتمرات صلح فأي مسيرة نضالية يكون فيها الكفاح المسلح اساسا وسيلة وليس غاية ولكنه وسيلة لابد منها وتغيير هذه الوسيلة امر وارد, كذلك فان الخطأ والصواب وارد ايضا في هذه الاوضاع. كيف تنظرون الى قضايا الفساد المالي والاقتصادي والاجتماعي؟ الفساد المالي والاقتصادي والاجتماعي والوظيفي الخ... الذي يقال عنه هي امور قد تطفو في اي سلطة بظروفها العادية وهي من افرازات المنطقة والتي نحن جزء منها ونتأثر بها. وهي امور يجب تصحيحها وتقويمها. وفي اعتقادي عندما تنتقد السلطة ذاتها فهذا بحد ذاته خطوة ايجابية. وهناك فرق كبير بين ان تقر السلطة او جهات منها بالاخطاء وبين ان تطمسها!.. الا ان ذلك بطبيعة الحال لا يبرر ان تكون هناك اخطاء. وفي اعتقادي رغم كل ما يقال فان الواقع الفلسطيني قبل السلطة وخلالها يعتبر واقعا ينضوي على نسبة من الديمقراطية قياسا في البيئة التي نعيشها وطبعا هذا لا يعني اننا راضون عن الوضع الديمقراطي ولكننا نسير بالاتجاه الديمقراطي رغم الاخطاء العادية التي لابد منها. ولابد من التنويه بان هناك وجوداً لاخطاء ولكنها ليست خطايا بمعنى ان الفساد ليس لان الشخصيات فاسدة ولكن لدواعي نقص الخبرة والتجربة الجديدة وربما عدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب فمجموعة المناضلين سابقا في معظمهم تبوأوا مواقع قيادية فنية جديدة عليهم تحتاج الى خبرات اوسع هذا باعتقادي هو السبب وراء الفساد الذي اعلنته لجنة شكلتها السلطة لتكشف عن الاخطاء والممارسات الخاطئة, والمجلس التشريعي حاليا يضغط على الرئيس عرفات لتغيير وتعديل الوزارة وهذا ما سيتم. وربما ما يتم لا يوصلنا الى تصحيح المسار فالامر لا يعني مجرد التغيير ولكن يقتضي الاتجاه نحو الافضل واعتقد ان ما يحدث ظاهرة صحية واعتيادية في كافة البلدان.. وهناك فرق بين النقد البنّاء الذي يصدر عن اشخاص في نفس الخندق والنقد المحيط الذي يهوّل هذه القضايا ويجعلها خطايا لا اخطاء عادية وواردة في كل مكان. ما هو دور المجلس التشريعي في الحياة السياسية وعلاقته بالسلطة؟ المجلس التشريعي جهة منتخبة من الشعب. وتم انتخابه بنزاهة بمشاهدة جهات مختلفة ومراقبتها ولم يطعن احد في هذه الانتخابات التي افرزت هذا المجلس ليمثل الجماهير الفلسطينية ويلعب دورا اساسيا في قضايا التصحيح في حال وقوع الخطأ. ولكن قدّر لهذا المجلس ان يواجه صعوبات جمة نظرا للظروف المحيطة بالوطن الفلسطيني التي يفرضها العدّو الصهيوني. ما هي علاقة السلطة بالمعارضة والفصائل الفلسطينية بالخارج؟ المعارضة الفلسطينية في الداخل والخارج في معظمهم فصائل فلسطينية مناضلة ومشاركة في النضال المسلح والسياسي وكافة اوجه النضال.. وهؤلاء الناس اكثر وعيا لمدى وكيفية معارضتها للسلطة باعتبار اننا مازلنا سواء المعارضة او السلطة في خندق واحد ضد خصم مازال يتمادى في تعنته ومازلنا في حالة نضال. من هذا المنطلق فان ما يحدث من اخطاء في هذا المجال لا يمكن تبريرها ونطالب بالمزيد من حرية الرأي وحرية التعبير ونرفض اي قمع لاي وطني فلسطيني يريد ان يعبر عن رأيه. ونتمنى ان تكون المعارضة خاصة في هذه المرحلة معارضة وطنية اصلاحية تقول كلمتها لانها تريد الافضل للوطن وللقضية. كيف ترون علاقة حماس بالسلطة؟ هذه العلاقة هي علاقة سلطة مع قوة لها دورها النضالي ولكن لها نظرتها السياسية المختلفة جزئيا عن السلطة. وبمعنى ادق حركة حماس هي حركة فلسطينية وطنية مناضلة لها رأيها في المسيرة العامة. ونحن نرى بغض النظر عما يحدث او ما يقال بين حركة حماس والسلطة أن وجودها من حيث المحصلة سيكون رديفا وحليفا للسلطة وللمنظمة ضد مخططات العدّو الصهيوني الذي يسعى لعملية(فرّق تسد) وأنا كمواطن عربي فلسطيني اتمنى ان يتاح لــ(حماس) ولأي فصيلة فلسطينية اخرى حرية القول والتعبير على ان يبقى دائما بين الجميع حيز مشترك غير قابل للتجاوز لان مصلحة الوطن والشعب والقضية تفرض وجود مثل هذا الحيز. ماذا عن المعارضة بالخارج؟ المعارضة في كثير من الأحيان تغالي في عملية النقد الى الحد الذي لا يليق بالنقد الموضوعي. فاذا كان للسلطة اخطاء فللمعارضة ايضا اخطاء وان ما يقوله كل منهما عن الآخر لا يؤخذ على علاّته بل قابل للنقاش. ففي وجود كليهما ضرورة. واتمنى ان نصل الى الوضع الديمقراطي للدولة الفلسطينية. كيف ترون المناخ الديمقراطي بالسلطة؟ المناخ الديمقراطي امر موجود لا يمكن انكاره وهو السبب الرئيسي لضبط النفس والاقتتال داخل الوطن بين الفصائل المتصارعة. وهو السبب المباشر للوقوف صفا واحدا امام اشتباك السلطة مع اسرائيل العام الماضي. حيث وقف الجميع بلا استثناء في وجه العدو. ومعنى ذلك وجود نسبة جيدة من الوعي الوطني والشعور بالمسؤولية ولولا ذلك لاقتلت الفئات فيما بينها. وما احب ان اشير اليه هو ان قضية فلسطين هي قضية الامة العربية المركزية وان شعور كل الشعب العربي بفئاته بأنها قضية هذا الولاء يجعل النظر الى من يعمل بحقلها ووضع اخطائها تحت المجهر. وهذا الكلام لا ينطبق على الواقع. فليس هناك سلطة مثالية او معارضة مثالية او مسؤول مثالي. ماذا عن خلافة عرفات والصراع الداخلي بين الاجهزة الأمنية وتأثير ذلك على اداء السلطة؟ اولا نحن نتمنى ان يبقى بيننا عرفات قادرا على القيام بواجباته. وقضية خلافته لا تختلف عن اي قضية من قضايا العالم ونحن من ضمنه. فالقضية لا تنتهي بانتهاء شخص كائنا من يكون. رمزا كان ام قطب الرحى, فالفعاليات تبقى موجودة ولا اعتقد بوجود مشكلة في ايجاد الخليفة له فهناك قانون ونظام ورئيس المجلس التشريعي المخول بالرئاسة لفترة 60 يوما يجري بعد ذلك انتخابات. وهناك العشرات على الساحة الفلسطينية يملكون القدرات التي تؤهلهم للقيام بدور يملأ الفراغ لان الاساس هو الشعب والموضوع يجب الا يقف عنده الناس فدور الرئيس والقائد والرمز هو ابعد اثرا من شخصه كرجل وانسان لابد ان يأتي يوم ويزول وسيكون هناك آخرون سواء على نهجه او بأسلوب اخر وفي ظل وجود مؤسسات وديمقراطية تحاسبه وتدقق وتقيّم فليس هناك اي مشكلة فيمن يكون الخليفة للقائد. ما هي من وجهة نظرك سيناريوهات المرحلة المقبلة في ظل فشل عملية السلام؟ من وجهة نظري وقناعتي بأن عملية السلام متعثرة ولكنها لم تنته فهذه القضية تحمل في طياتها اعباء قرن من الصراع بين الامة العربية والحركة الصهيونية وهذا الصراع مازال قائما ولا يتوقع ان يزول بسهولة. ونحن الان عندما نتمسك بالسلام كعرب ونطلب السلام ونسعى اليه نحاول ان نغير صورتنا في عيون العالم ونحظى ببعض التأييد العالمي الذي نحتاج اليه. فقوة اسرائيل ترجع الى التأييد العالمي لها وصورتها السلمية في نظر العالم رغم انها كانت ولاتزال تقاتل بشراسة. وفي اعتقادي ان موقف الوطن العربي في الفترة السابقة وحالة اللاحرب واللاسلم موقف خاطئ. فنحن بحاجة اما الى حرب حقيقية تحسم الصراع او الى سلام حقيقي ينهي حالة اللاحرب واللاسلم التي تسببت في التخلف التنموي والاقتصادي لمعظم اقطار الوطن العربي. فالعيش مستنفرين لسنوات طويلة بلا حرب حقيقية يجعل معظم قدراتنا تضيع في شراء الاسلحة التي يبرز منها الجديد والأحدث ونحن مضطرون لمتابعة التطوير والتجديد وفي المحصلة لم يحسم النزاع رغم ما حققناه في حرب 1973. فالسلام رغم سلبياته وما وصلنا اليه يدعونا للتساؤل. ما هو البديل؟ فعندما نقول لا نريد السلام, المفروض ان نجد كعرب صيغة اتحادية وتكوين استراتيجية واضحة وان يكون ذلك على ارض الواقع وليس مجرد اقاويل لرفض السلام. فالبديل يحتاج الى خطى واسعة وجهود لم نستطع ان نحققها منذ البداية منذ بداية الاعتداءات الصهيونية على بلادنا. وسياستنا العربية التي تعتمد على ردود الافعال وليس استراتيجية موحدة وواضحة. فالعملية السلمية ليست عقيدة ولكنها محاولة لايصال المنطقة الى وضع افضل اجتماعيا واقتصاديا. خاصة وانها منطقة تهم الدول الكبرى مثل امريكا واوروبا حيث بدأت الاخيرة تغير موقفها لعالمنا. وفي اعتقادي اننا حينما ندعو الى السلام نكون اكثر وعيا بكثير لكيفية ادارة الصراع مع اسرائيل فالسلام الحقيقي يفقد اسرائيل العديد من المزايا داخليا وخارجيا فعلى الصعيد الخارجي ستخسر المساعدات الكبيرة والهبات والدعم من جميع الجهات وعلى الصعيد الداخلي ستبدو قلقة متفككة وتطفو الصراعات بين فئات شعبها الذي يتشكل من ديمقراطية غريبة من نوعها والفروق الكبيرة بين اليهود الفلاشا والسفارديم واليهود العرب والقادمين من سيبيريا الخ... كل هذا الصراع لن ينفجر في حالة الحرب والتأهب ضد الخطر المحدق ولكنه سينفجر في حالة السلام لذلك فهي تنادي بالسلام ولكنها تحاول قتله بالاستفزاز وسلب ما وصلنا اليه من مكتسبات وفي اعتقادي ان عقد مؤتمر قمة عربي لانقاذ عملية السلام هو خطوة ضرورية وهامة جدا وذات مدلولات واسعة, فالعرب المتهمون بالاعتداء والهمجية يجتمعون لانقاذ السلام كما يجتمعون على الحرب. ولاشك ان العرقلة التي تمر بها عملية السلام تحتاج الى المزيد من الخطط العقلانية المنتجة والمزيد من التمسك بالخطاب العربي وعلينا الاستفادة من التجارب السابقة. فالمعركة الحقيقية بين الامة العربية واسرائيل تحتاج لان يكون العرب نظاماً سياسياً واحداً وجيشاً واحداً وغرفة عمليات واحدة واستراتيجية واحدة وهذا ما يصعب تحقيقه حاليا ولم نستطع ان نحققه سابقا ومن هنا تبدو السيناريوهات المستقبلية متأرجحة بين المدّ والجزر والتصورات الخطيرة.