أعادت تحركات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الساحة الدولية، أخيراً، فتح نقاش واسع حول طبيعة السياسة الخارجية الأميركية وحدودها، وكيف تُفهم أفعالها من قبل الحلفاء والخصوم على حد سواء. فبين إسقاط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعملية عسكرية خاطفة، وتوجيه تحذيرات لطهران على خلفية الاحتجاجات، والدفع نحو تسوية بين روسيا وأوكرانيا، تبدو السياسة الأميركية وكأنها تتحرك في مسارات متباينة، تفتقر إلى إطار استراتيجي واضح.

في قراءة تحليلية لافتة، طرح الكاتب والمحلل الأميركي لورانس جي. هاس، في مقال نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية، أربعة أسئلة محورية رأى أنها تختصر جوهر الإشكال في السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، محذراً من أن ما يبدو استعراضاً للقوة قد ينقلب إلى مصدر اضطراب عالمي.

ويذهب هاس إلى أن التحركات الأميركية الأخيرة، تطرح تساؤلات جدية لدى الحلفاء والخصوم حول نوايا واشنطن وحدود أفعالها المستقبلية.

السؤال الأول: إلى أي مدى قد يذهب ترامب؟

يتساءل هاس عمّا إذا كانت إدارة ترامب تمتلك سقفاً واضحاً لاستخدام القوة تحت عنوان «تعزيز الأمن القومي». فبينما برّرت واشنطن تدخلها في فنزويلا بمنع تحوّل أميركا اللاتينية إلى ساحة نفوذ لروسيا والصين وإيران، يشير الكاتب إلى أن هذا المنطق تمدّد ليشمل تهديدات مبطّنة لدول أخرى في الإقليم، بل وحتى طموحات جغرافية مثيرة للجدل تجاه غرينلاند، التابعة لدولة عضو في حلف «الناتو».

ويرى هاس أن أي استخدام قسري للقوة ضد أراضٍ لحلفاء قد لا يعزز أمن الولايات المتحدة، بل يفتح أزمة داخل التحالفات الغربية نفسها.

السؤال الثاني: ماذا بعد إسقاط الأنظمة؟

السؤال الثاني الذي يطرحه الكاتب في «ناشيونال إنترست» يتعلق بمرحلة ما بعد إسقاط الحكومات. ويستحضر هاس تجربتي العراق وليبيا، حيث أُعلنت الانتصارات سريعاً، فيما تُركت الدول لمصائر فوضوية طويلة الأمد.

وفي الحالة الفنزويلية، يلفت إلى أن إعلان ترامب نية واشنطن «إدارة» البلاد مؤقتاً يثير شكوكاً حول مدى استعداد الولايات المتحدة للانخراط في مهمة إعادة إعمار شاقة، اقتصادياً وسياسياً، في ما يبدو ترجيهاً لتكرار التجربة بانسحاب سريع وترك فراغ خطير.

السؤال الثالث: هل حقوق الإنسان مبدأ أم أداة؟

ينتقد هاس، في مقاله، الانتقائية الأميركية في التعاطي مع ملف حقوق الإنسان. فبينما هدّد ترامب باتخاذ إجراءات ضد إيران إذا قمعت الاحتجاجات، لم تكن الانتهاكات الإنسانية في فنزويلا أو أوكرانيا دافعاً رئيسياً للتحركات الأميركية.

ويحذّر الكاتب من أن توظيف حقوق الإنسان كأداة ضغط ظرفية، لا كقيمة ثابتة، يقوّض مصداقية السياسة الأميركية ويحوّل الخطاب الأخلاقي إلى وسيلة سياسية انتقائية.

السؤال الرابع: كيف يقرأ الخصوم الرسائل الأميركية؟

أما السؤال الرابع، فيتعلق بالرسائل غير المقصودة التي قد تلتقطها القوى الكبرى. فبحسب هاس، قد تستنتج الصين أن تركيز واشنطن على خصوم أضعف يعني تردداً في الدفاع عن تايوان، بينما قد ترى روسيا أن الولايات المتحدة غير مستعدة لخوض مواجهة مباشرة في أوروبا.

ويشير إلى أن ما يراه البعض ردعاً، قد يقرأه الخصوم بوصفه تردداً استراتيجياً أو غياباً للشهية في مواجهة القوى الكبرى.

يبدو أن غياب الاتساق الذي يحيط بالسياسة الخارجية لواشنطن، هو الخطر الحقيقي، فعالم لا يستطيع التنبؤ بما ستفعله الولايات المتحدة تالياً، هو عالم أكثر عرضة لسوء التقدير، وأقرب إلى الفوضى، في ظل تخلخل قواعد النظام الدولي، لتصبح السياسة الخارجية المرتجلة عاملاً مقلقاً، حيث تزيد احتمالات التصعيد.