لم يكن النظام الدولي الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في عام 1945 نظاماً مثالياً، لكنه كان محاولة جماعية لتقييد القوة، ووضع حدٍّ لفوضى الحروب التي دمّرت العالم مرتين خلال ثلاثة عقود، وقد قام هذا النظام على مبدأ جوهري مفاده أن: "القوة تُمارَس داخل القانون، فقط".

قد يكون من المبالغة القول إن النظام الدولي «انتهى»، لكنه بلا شك دخل مرحلة احتضار "مفاهيمية"، حيث لم تعد تُحترم قواعده بقدر ما تُدار وفق موازين القوة، والمفارقة الكبرى هي أن القوى العظمى نفسها التي صاغت هذا النظام ومنحت نفسها فيه مكانة خاصة، كانت أول من بدأ اختبار حدوده، ثم اختراقه، ثم التحايل عليه، وصولاً إلى كسره الصريح.

لم ينتظر النظام الدولي طويلاً حتى تعرّض لاختبار قاسٍ، حيث شكّلت تدخلات الاتحاد السوفييتي في المجر (1956) وتشيكوسلوفاكيا (1968) خرقاً مباشراً لمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل، رغم أن موسكو برّرت تلك التحركات بمنطق «الأمن الاشتراكي» و«الحفاظ على المعسكر»، وهو تبرير أيديولوجي قوبل حينها بإدانات دولية واسعة، لكنه لم يُسقِط النظام، بل كشف هشاشته أمام منطق القوة.

الولايات المتحدة

في المقابل، لم تكن الولايات المتحدة بمنأى عن هذه الخروقات. فحرب فيتنام مثّلت أول انزلاق واسع خارج روح ميثاق الأمم المتحدة، تلتها سلسلة تدخلات مباشرة وغير مباشرة في أميركا اللاتينية خلال الحرب الباردة.

لكن التحول الأخطر جاء بعد نهاية الحرب الباردة، حين غاب القطب المقابل، وباتت واشنطن القوة الوحيدة القادرة على خرق النظام دون كلفة موازنة فورية.

غزو العراق عام 2003 كان لحظة مفصلية؛ إذ جرى خارج تفويض صريح من مجلس الأمن، وأُعيد تفسير القرارات الدولية بطريقة انتقائية، ما وجّه ضربة قوية لمبدأ حظر استخدام القوة خارج إطار القانون، وأضعف شرعية النظام القانوني الدولي من الداخل.

روسيا والصين

لاحقاً، جاءت روسيا لتعيد اختبار النظام عبر ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم الحرب الواسعة على أوكرانيا، متذرعةً بأمنها القومي والتوسع الأطلسي.

أما الصين، فاختارت نمطاً مختلفاً من الاختراق عبر فرض وقائع ميدانية في بحر الصين الجنوبي، متجاوزة أحكام محكمة التحكيم الدائمة، ومقدّمة مفهوماً عملياً مفاده أن القوة الاقتصادية والعسكرية يمكن أن تتقدم على القانون.

هذه الوقائع جميعها شكّلت تآكلاً تدريجياً للنظام الدولي، لكنها بقيت، رغم خطورتها، ضمن هامش التأويل السياسي أو الصراع الجيوسياسي التقليدي.

كسر السقف

مع دخول العام الجديد قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل الخروقات إلى مستوى جديد من الهشاشة، حين أمر باعتقال الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو ما قامت به فرقة من قوات "دلتا فورس" الأمريكية، وانتقلت المسألة من مجرد التدخل العسكري وفرض العقوبات أو الاعتراف بسلطة بديلة، إلى إخضاع رئيس دولة ذات سيادة للقضاء الوطني لدولة أخرى بالقوة.

هنا، لم يعد من المنطقي الحديث عن خرقٍ سياسي أو انتهاكٍ قابل للنقاش، بل يجب أن يناقش الوضع على حقيقته المصادمة مباشرة لركائز النظام الدولي نفسه: (سيادة الدول، حصانة الرؤساء، وحظر استخدام القوة خارج التفويض الجماعي).

ساد العالم كله صمت دهشة، إلا من أصوات يسارية هنا وهناك، ليستيقظ بعدها بيومين على حقيقة أن ما جرى وخطورته فتنهال التنديدات والشجوب من داخل مجلس الأمن ومن خارجه، ليس دفاعاً عن مادورو كشخص، بل دقاً لناقوس خطر تفرضه سابقة تُهدد الجميع، فحين يُكسر هذا السقف، لا يعود أي رئيس أو دولة خارج دائرة الخطر، ويكون الإسفين الأخير قد دق في نعش النظام الدولي.