شكلت العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة لاعتقال نيكولاس مادورو نقطة تحول جذري في الجيوسياسية اللاتينية، حيث انتقل ملف إدارة فنزويلا من أروقة الدبلوماسية التقليدية إلى دائرة ضيقة من صنع القرار في البيت الأبيض بقيادة ماركو روبيو وستيفن ميلر.

وبينما يسعى "رأس الحربة" روبيو لترسيخ نفوذ واشنطن الاقتصادي عبر التحكم في إيرادات النفط والضغط على القيادة المؤقتة في كاراكاس، تبرز تحديات لوجستية وسياسية كبرى تتعلق بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة دولة بحجم فنزويلا من الخارج، وتداعيات ذلك على الأمن الإقليمي وملفات الهجرة وتجارة المخدرات في المنطقة.

بينما كانت الوحدات الخاصة تنفذ غارة ليلية جريئة ليلة الجمعة، كان الرئيس دونالد ترامب يتابع الأحداث لحظة بلحظة من منتجعه في فلوريدا، محاطاً بماركو روبيو، وزير خارجيته ومستشار الأمن القومي. ومباشرة بعد العملية، كلف ترامب روبيو بمهمة "إدارة" فنزويلا، في خطوة كرست نفوذ روبيو الطاغي ومسيرته التي بدأت من جنوب فلوريدا بين المهاجرين الفارين من نظام مادورو.

وكشفت مصادراخبارية  أمريكية  أن التخطيط للعملية استغرق شهوراً من السرية داخل البيت الأبيض، بعيداً عن أروقة وزارة الخارجية التقليدية.

حيث تشكل تحالف "روبيو-ميلر" (ماركو روبيو وستيفن ميلر) لصياغة استراتيجية عدوانية اتخذت من "مكافحة تهريب المخدرات" حجر زاوية ومبرراً سياسياً للتحرك العسكري، متجاوزين خلافاتهم السابقة حول ملفات أخرى.

طوال فترة التخطيط، ظل روبيو في دائرة القرب اللصيق من ترامب، متخذاً من البيت الأبيض قاعدة لعملياته بدلاً من مقر وزارة الخارجية.

واليوم، يبرز روبيو كمهندس للمرحلة المقبلة، حيث كشف ترامب أن روبيو يتواصل مباشرة باللغة الإسبانية مع "ديلسي رودريغيز"، التي تولت الرئاسة مؤقتاً، للضغط عليها للانصياع للشروط الأمريكية عبر سياسة "الإكراه الاقتصادي" وخنق إيرادات النفط.

ووجه ستيفن ميلر رسالة حازمة للمسؤولين الفنزويليين المطلوبين للعدالة الأمريكية، مؤكداً أن "الخيار الأفضل أمامهم هو التعاون الكامل مع واشنطن ليكونوا جزءاً من مستقبل فنزويلا".

رغم النجاح العسكري، تواجه الإدارة انتقادات حادة من المشرعين الديمقراطيين الذين اعتبروا العملية نكوصاً عن تعهدات سابقة قدمها روبيو وفريق الأمن القومي بعدم السعي لتغيير النظام.

كما تبرز مخاوف دبلوماسية حول شرعية العملية في القانون الدولي، خاصة مع عدم إخطار الحلفاء مسبقاً.

ويرى خبراء أن مهمة روبيو في "بناء الدولة" محفوفة بالمخاطر؛ فمحاولة فرض النظام في بلد أكبر من العراق ومثقل بالأزمات تتطلب مجهوداً يفوق قدرة المسؤولين المشغولين بمهام متعددة في واشنطن.

وتظل الأولوية الأمريكية الحالية محصورة في أربعة ملفات: الهجرة، المخدرات، النفط، وتطهير المنطقة من نفوذ الخصوم الدوليين، بينما يبقى "التحول الديمقراطي" ملفاً مؤجلاً لمرحلة لاحقة.