تبدو العاصمة كراكاس اليوم الأحد 4 يناير 2026 وكأنها تستيقظ على واقع سياسي جديد لم يكتب فصوله الفنزويليون وحدهم؛ ففي اللحظات التي تلت العملية العسكرية الأمريكية الصاعقة "العزم المطلق" التي نفذتها قوات "دلتا" فجر السبت، لم تكن الأنظار متجهة نحو المعارضة، بل نحو ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس التي أصبحت "رئيسة مؤقتة" بأمر المحكمة العليا.

وفي أول خطاب رسمي لها من قصر "ميرا فلوريس"، شنت رودريغيز هجوماً لاذعاً على واشنطن، واصفة اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس بأنه "اختطاف بربري" وانتهاك صارخ للقانون الدولي، مؤكدة بلهجة حادة وسط غموض مكان وجودهما الأولي: "لا يوجد سوى رئيس واحد لفنزويلا وهو نيكولاس مادورو".

ورغم هذا التحدي العلني، تشير التقارير الاستخباراتية المسربة إلى أن إدارة ترامب أجرت "حسابات باردة" تفيد بأن رودريغيز ستحني رأسها في النهاية لمطالب واشنطن؛ حيث كشف ترامب في مؤتمر صحفي بفلوريدا عن تفضيله التعامل معها، واصفاً إياها بأنها "مستعدة لفعل ما نراه ضرورياً لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى".

وبينما أكدت تقارير اخبارية أمريكية  وصول مادورو مكبلاً بالأصفاد ومعصوب العينين إلى مطار "ستيوارت" بنيويورك، ونقله لاحقاً إلى مركز الاحتجاز الفيدرالي في بروكلين لمواجهة تهم "الإرهاب المرتبط بالمخدرات"، تبرز خفايا المفاوضات السرية التي يقودها وزير الخارجية ماركو روبيو مع ديلسي، والتي تهدف إلى تسليم الإدارة التقنية لقطاع النفط لشركات أمريكية مقابل ضمانات أمنية وحصانة لنخبة النظام.

وعلى جبهة الاعترافات الدولية، سارعت البرازيل وإسرائيل للاعتراف بالوضع الجديد، بينما أعلن ترامب أن واشنطن هي من ستتولى "إدارة" البلاد مؤقتاً عبر مجموعة عمل خاصة.

في المقابل، تشكل جبهة الرفض بقيادة روسيا والصين وإيران ضغطاً دبلوماسياً هائلاً، حيث وصفت بكين ما جرى بأنه "انتهاك خطير للسيادة"، فيما طالبت موسكو بالإفراج الفوري عن مادورو.

وفي تصريحات كشفت بوضوح عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة، حسم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الجدل حول طبيعة التدخل في كاراكاس؛ حيث صرح اليوم الأحد، وفقاً لمقابلة بثت على شبكة CBS News الأمريكية، قائلاً: "هذا ليس الشرق الأوسط؛ نحن في نصف الكرة الغربي، ومهمتنا هنا مختلفة تماماً".

وجاء هذا التصريح في معرض رده على التساؤلات حول إمكانية تسليم السلطة فوراً للمعارضة، مما يشير، وفقاً لتحليلات وكالة رويترز، إلى أن واشنطن لن تكرر تجارب "بناء الدولة" الفاشلة، بل تتجه نحو "إدارة مباشرة" للمصالح الحيوية، وهو ما يفسر الانفتاح المفاجئ على التعامل مع ديلسي رودريغيز كحليف تكنوقراطي قادر على تأمين قطاع النفط ومنع الفوضى، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية للمعارضة التقليدية.

إن مستقبل فنزويلا يترنح الآن بين لغة "الثورة البوليفارية" التي تنطق بها ديلسي أمام الكاميرات، وبين لغة "الصفقات النفطية" التي تفاوض عليها خلف الكواليس لتأمين بقاء التيار التشافيزي كجزء من النظام العالمي الجديد تحت الوصاية الأمريكية المباشرة.

في كواليس هذا التحول الدراماتيكي، تبرز السيطرة على "حزام أورينوكو" - أكبر احتياطي نفطي في العالم - كجوهر الصراع ومحرك المفاوضات؛ فواشنطن لا تسعى فقط لإسقاط نظام، بل لإعادة هندسة سوق الطاقة العالمي عبر كسر احتكار "أوبك+" وتأمين بديل استراتيجي للنفط الروسي.

وتدرك ديلسي رودريغيز، التي أدارت ملف الطاقة لسنوات، أن ورقة النفط هي "درعها الأخير"؛ لذا فإن المفاوضات الجارية مع ماركو روبيو تتجاوز التفاصيل السياسية لتصل إلى صياغة عقود امتياز طويلة الأمد تمنح الشركات الأمريكية "حق الإدارة الفنية" الكاملة مقابل فك الحصار المالي عن البنك المركزي الفنزويلي، وهو ما قد يؤدي إلى إغراق الأسواق بـ 3 ملايين برميل يومياً، مما سيعيد صياغة موازين القوى الاقتصادية من كاراكاس

تاريخ ديلسي الشخصي يضفي صبغة من المفارقة المأساوية على المشهد؛ فابنة الزعيم الماركسي الذي قضى تحت التعذيب في سجون السلطات الفنزويلية قديماً، تجد نفسها اليوم "حاكمة" بضوء أخضر من القوة التي اختطفت رئيسها.

ومع إعلان زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو ، التي استبعدها ترامب بحجة نقص الاحترام العسكري، استعدادها لإنفاذ تفويضها، تظل فنزويلا في حالة سيولة قصوى؛ حيث يترقب العالم ما إذا كانت "البراغماتية الصلبة" لـ "المرأة الحديدية" ستنجح في تحويل الهزيمة العسكرية إلى صفقة بقاء سياسي، أم أن الشارع الفنزويلي المنهك سيختار مساراً آخر بعيداً عن كواليس المفاوضات السرية.