في خطوة طال انتظارها، أفرج الأرشيف الوطني الأمريكي عن دفعة جديدة من الوثائق المرتبطة باغتيال الرئيس الأمريكي جون ف. كينيدي عام 1963، ما أتاح للباحثين والمؤرخين نافذة أوسع على كواليس الحرب الباردة والعمليات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، إلا أن هذه الوثائق، وعلى الرغم من غزارة محتواها، لم تُقدّم أدلة جديدة تعزز نظريات المؤامرة المتداولة منذ عقود حول الاغتيال.
الوثائق، التي بلغ عددها نحو 2200 ملف، لم تُراجع بالكامل حتى الآن نظراً لضخامة حجمها، لكن وكالة الأرشيف أوضحت أن الجزء الأكبر من نحو ستة ملايين وثيقة وسجل وصورة وفيلم وتسجيل صوتي ومادة أرشيفية عن الاغتيال كان قد نُشر مسبقاً.
وبحسب مراجعة أولية أجرتها وكالة "أسوشيتد برس"، فإن العديد من الوثائق لا ترتبط مباشرة بعملية الاغتيال، بل تسلط الضوء على أنشطة سي آي إيه في دول أجنبية، لا سيما كوبا، ولم تتضمن الوثائق حتى الآن ما يناقض الرواية الرسمية القائلة بأن لي هارفي أوزوالد، القناص الوحيد، هو من أطلق النار على الرئيس كينيدي في دالاس يوم 22 نوفمبر 1963.
يقول الكاتب والمحقق في شؤون الاغتيال فيليب شينون: "لم تظهر أي أدلة تشير إلى وجود مطلق نار ثانٍ"، مضيفاً: "لم أعثر على ما يغير مجرى السرد التاريخي الأساسي للاغتيال – على الأقل في هذه المرحلة المبكرة."
رحلة مكسيكو سيتي
من أبرز المسارات التي يتابعها المؤرخون حالياً، تلك المتعلقة بأنشطة أوزوالد قبل تنفيذ الاغتيال، لا سيما رحلته إلى مكسيكو سيتي في سبتمبر 1963. وتشير السجلات إلى أنه قصد سفارة الاتحاد السوفيتي في العاصمة المكسيكية، بعد أن قضى نحو ثلاث سنوات في الاتحاد السوفيتي كمنشق عن الولايات المتحدة.
يعتقد شينون أن الحكومة الأمريكية أخفت معلومات حساسة حول أوزوالد، ليس بغرض التستر على مؤامرة، بل خشية افتضاح "الإهمال والتقصير" داخل أجهزة الاستخبارات، على حد تعبيره.. وقال: "سي آي إيه كانت تراقب أوزوالد بشكل مكثف خلال وجوده في مكسيكو سيتي – أي قبل أسابيع قليلة من الاغتيال، وهناك مؤشرات قوية على أنه تحدث بصراحة عن نيّته قتل كينيدي، وقد سُمع يقول ذلك" حسب شينون.
غنائم للمؤرخين
جاء الإفراج عن هذه الوثائق الجديدة تنفيذاً لأمر رئاسي أصدره الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي كان قد وعد بالكشف الكامل عن ملفات الاغتيال.
ومع أن العديد من هذه الوثائق كانت منشورة سابقاً، فإن النسخة الجديدة أتاحت الاطلاع عليها دون حجب أو تنقيح.
تقدّر الجهات البحثية أن نحو 3000 إلى 3500 ملف كانت لا تزال سرية كلياً أو جزئياً حتى وقت قريب. وفي فبراير الماضي، أعلنت الإف بي آي عن اكتشاف أكثر من 2400 سجل جديد له صلة بالاغتيال.
في هذا السياق، قال جيفرسون مورلي، نائب رئيس مؤسسة "ماري فيريل" المعنية بأرشفة ملفات الاغتيال، إن "الكثير من التصنيفات السرية المفرطة لمعلومات تافهة" قد تم رفعها، واصفاً الخطوة بأنها تقدم مهم للباحثين.
غير أن توقيت النشر لم يخلُ من الجدل؛ إذ عبّر جاك شلوسبرغ، حفيد الرئيس الراحل كينيدي، عن استيائه لعدم إخطار العائلة قبل نشر الوثائق، وعلّق عبر منصة "إكس" (تويتر سابقاً): "كانت مفاجأة تامة… وإن لم تكن صادمة."
أسرار "الحرب الباردة"
يرى تيموثي نفتالي، أستاذ التاريخ المساعد في جامعة كولومبيا ومؤلف كتاب مرتقب عن رئاسة كينيدي، أن الوثائق الجديدة لا تُعتبر مجرد إضافة أرشيفية، بل تمثل ثروة حقيقية للمؤرخين، لا سيما أولئك المتخصصين في فترة الحرب الباردة، ويقول: إن هذه المجموعة من الملفات توفر الآن أوضح صورة لأنشطة الاستخبارات الأمريكية خلال تلك الحقبة.
من بين ما تم الكشف عنه، نسخة محدثة من مذكرة تعود لعام 1975، كانت النسخ السابقة منها تخفي اسم جهة الاتصال الأمنية لأوزوالد في المكسيك وهوية الجهة التي اخترقت السفارة الكوبية.
أما الآن، فقد تبين أن الرئيس المكسيكي حينها، لويس إيشفيريا ألفاريز، الذي توفي عام 2022، كان هو ذلك المتصل، وأن حكومته هي من نفذت عملية الاختراق.
كما أُفرج عن نسخ غير منقّحة من "القوائم اليومية السرية" التي كان يطّلع عليها الرئيس ليندون جونسون عقب اغتيال كينيدي، وعلق نفتالي على هذا الكشف: "من اللافت أن نتمكن من التجول داخل ذلك العالم السري كما كان يُعرض على الرئيس في حينه".
رسائل مشفرة
في لمحة توثق نشاطات سي آي إيه داخل كوبا بعد اغتيال كينيدي، تكشف إحدى الوثائق الصادرة بتاريخ 9 ديسمبر 1963 عن رسالة مشفّرة تقول:
"تلقّينا اليوم المسدسات – ولكن من دون ذخيرة".
وأشار نفتالي إلى أن تلك الوثائق تمنحنا "رؤية شاملة للسياسة الخارجية الأمريكية، وفي ذات الوقت نظرة دقيقة للغاية على العمليات الميدانية السرية".
وفي مذكرة أخرى تعود إلى أبريل 1975، قلّلت الـCIA من شأن معلوماتها بشأن رحلة أوزوالد إلى المكسيك. وبحسب المذكرة، فقد تم تسجيل ثلاث مكالمات هاتفية بين أوزوالد وحارس في السفارة السوفيتية، إلا أن أوزوالد لم يُعرّف عن نفسه سوى في المكالمة الأخيرة.
يختم شينون بقوله: "نحن نكتشف الآن حجم ما كانت تعرفه سي آي إيه وإف بي آي عن أوزوالد قبل وقوع الاغتيال، والسؤال الجوهري هو: لماذا لم تتحرك هذه الوكالات بناءً على تلك المعلومات؟".
