قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وجد الرئيس دونالد ترامب في تمثال لكريستوفر كولومبوس وسيلة لمخاطبة شريحة من الناخبين الأميركيين من أصول إيطالية، وإعادة فتح واحدة من أكثر المعارك الثقافية إثارة للانقسام في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

ويستضيف ترامب غداً احتفالاً بكولومبوس في البيت الأبيض، في مناسبة يتصدرها تمثال بارتفاع نحو 13 قدماً نُصب قرب مبنى آيزنهاور للمكاتب التنفيذية، المجاور للمقر الرئاسي. والتمثال نسخة أعيد بناؤها من تمثال حطمه محتجون في بالتيمور خلال اضطرابات عام 2020 وألقوا أجزاءه في مياه الميناء.

ونشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً حول مساعي ترامب للاستفادة من هذه الخطوة. فوفق الصحيفة، يراهن ترامب على أن استعادة التمثال، وإعادة الاعتبار إلى «يوم كولومبوس»، ستلقى صدى لدى الأميركيين من أصول إيطالية الذين ينظر كثير منهم إلى المستكشف بوصفه رمزاً تاريخياً لهويتهم ومكانتهم داخل المجتمع الأميركي.

وقال ترامب في وقت سابق هذا العام: «الإيطاليون سعداء جداً بذلك. تذكروا عندما تذهبون إلى صناديق الاقتراع أنني أعدت يوم كولومبوس».

رسالة انتخابية

تحول كولومبوس خلال السنوات الماضية إلى واحد من رموز الانقسام في «حروب الثقافة» الأميركية. فبالنسبة إلى قطاعات من الأميركيين ذوي الأصول الإيطالية، يمثل الرجل رمزاً للقبول والاندماج في مجتمع واجه فيه المهاجرون الإيطاليون تاريخياً التمييز والتهميش.

لكن منتقديه يرون أن وصوله إلى الكاريبي عام 1492 دشّن مرحلة من الاستعمار والاستعباد والانهيار الديموغرافي للسكان الأصليين.

وبلغ الصراع حول إرثه ذروته خلال احتجاجات عام 2020 التي أعقبت وفاة جورج فلويد، عندما تعرض عدد من تماثيل كولومبوس للتشويه أو الإسقاط في مدن أميركية عدة.

كان تمثال كولومبوس في حي «ليتل إيتالي» في بالتيمور قد نُصب قبل 36 عاماً في مراسم شارك فيها الرئيس رونالد ريغان وعدد من القادة. ومع تصاعد الاحتجاجات في صيف 2020، حذرت جماعات إيطالية أميركية وسياسيون محليون من الاقتراب من التمثال. ووُضع حراس غير مسلحين حوله، فيما تعهد سكان المنطقة بحمايته.

لكن في 4 يوليو، وصل محتجون ملثمون وربطوا التمثال بالحبال وأسقطوه من قاعدته. وتحطم الرخام، ورفع بعض المتظاهرين قطعه فوق رؤوسهم، قبل أن تُلقى الأجزاء في ميناء بالتيمور.

في الأيام التالية، بدأ سياسيون ورجال أعمال وسكان من «ليتل إيتالي» انتشال أجزاء التمثال من المياه. ومن بينهم جون بيكا جونيور، العضو الديمقراطي السابق في مجلس شيوخ ولاية ماريلاند، ونينو مانجيوني، النائب الجمهوري الذي كان يمثل المنطقة.

150 ألف دولار لإعادة كولومبوس

نظم القائمون على المشروع حملات لجمع التبرعات وحصلوا على دعم اتحادي للمساعدة في تمويل إعادة البناء، التي قدرت كلفتها بنحو 150 ألف دولار. وتولى الفنان تيلغمان هيمسلي صنع نسخة جديدة من التمثال، مع قاعدة تتضمن صور السفن الثلاث الشهيرة «نينيا» و«بينتا» و«سانتا ماريا» التي عبر بها كولومبوس وطاقمه المحيط الأطلسي.

وكان الهدف منذ البداية يتجاوز إعادة التمثال إلى بالتيمور. ففي 2020، بدأ القائمون على المشروع محادثات مع مسؤولين في إدارة ترامب بشأن إمكانية وضعه على أرض اتحادية، إلا أن المشروع توقف عملياً بعدما خسر ترامب الانتخابات أمام جو بايدن. وانتهى التمثال المعاد بناؤه داخل مستودع في ولاية ماريلاند، منتظراً فرصة سياسية جديدة. وجاءت تلك الفرصة مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2025.

بدأ المسار الجديد خلال عشاء أقيم العام الماضي للمشرعين الجمهوريين في حديقة الورود بالبيت الأبيض.

كان النائب الجمهوري عن أوهايو مايكل رولي بين الحاضرين، وجلس بالقرب من فينس هايلي، مدير مجلس السياسة الداخلية في البيت الأبيض. وأخبره عن مشروع قانون يعمل عليه للحفاظ على «يوم كولومبوس».

بعد نحو أسبوعين، تلقى رولي اتصالاً من هايلي. وكان السؤال: «هل يمكنك أن تؤمّن لنا تمثالاً رائعاً جداً لكريستوفر كولومبوس؟».

اتصل رولي بباسل روسو، وهو سياسي ديمقراطي مخضرم من كليفلاند ورئيس «مؤتمر رؤساء كبرى المنظمات الإيطالية الأميركية». وكان روسو يعرف قصة تمثال بالتيمور ومحاولات إعادة بنائه.

وقال بيل مارتن، أحد قادة مشروع الترميم قبل وفاته في أيلول: «وضعنا كل هذا الدم والعرق والدموع في المشروع. كنا نحاول إيصال التمثال إلى واشنطن».

كان المخطط الأول يقضي بنصب التمثال بالتزامن مع «يوم كولومبوس» في 2025. لكن الخطة تأجلت عندما توجه ترامب إلى الشرق الأوسط للتوسط في اتفاق بين إسرائيل وحماس. واستمرت الاتصالات خلال الأشهر اللاحقة، إلى أن أُبلغ القائمون على مشروع بالتيمور قبل أيام فقط بأن التمثال سيُنقل إلى أراضي البيت الأبيض في مارس 2026. ومنذ ذلك الوقت يقف التمثال خارج مبنى آيزنهاور للمكاتب التنفيذية.

خلال حملته الرئاسية في 2024، جعل ترامب الدفاع عن كولومبوس جزءاً من خطابه في مواجهة ما يعتبره محاولات لإعادة كتابة التاريخ الأميركي.

وبعد عودته إلى الرئاسة، وصف كولومبوس بأنه «البطل الأميركي الأصلي»، وأصدر إعلاناً لتكريم «يوم كولومبوس». وقال في نوفمبر الماضي: «يوم كولومبوس عاد، أيها الإيطاليون. نحن نحب الإيطاليين».