بعد أكثر من عام على خلافه العلني مع الرئيس دونالد ترامب، عاد إيلون ماسك إلى الإدارة الأمريكية، لكن هذه المرة من باب مختلف تماماً عن باب خفض النفقات الذي دخل منه أول مرة؛ هذه المرة من باب الحرب.

فقد أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، أمس الأربعاء، تكليف ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس»، وبالمر لوكي، مؤسس شركة «أندوريل» للصناعات الدفاعية، ونيوت غينغريتش، الرئيس الأسبق لمجلس النواب، بقيادة دراسة لمستقبل الحرب أطلق عليها اسم «مشروع ميريديان». ويمثل التكليف، بحسب موقع «أكسيوس»، أول دور استشاري رسمي يتولاه ماسك في إدارة ترامب منذ مغادرته «إدارة الكفاءة الحكومية» العام الماضي، وما تلاها من خلاف حاد مع الرئيس، قبل أن يتصالح الرجلان لاحقاً.

وجاء الإعلان في خطاب ألقاه هيغسيث في قاعدة مشاة البحرية في كوانتيكو بولاية فرجينيا، في الذكرى الأولى لخطابه الشهير في المكان نفسه أمام نحو 800 من كبار الجنرالات والأدميرالات، الذي أعلن فيه نهاية «عهد وزارة الدفاع» والعودة إلى اسم «وزارة الحرب». غير أن جمهور الخطاب الثاني، الذي سمّاه «خطاب حالة القوات»، كان مختلفاً؛ إذ توجّه هذه المرة إلى صغار الضباط والجنود.

خيال مفتوح

حرص هيغسيث على أن يميّز المشروع الجديد عن الدراسات التقليدية التي تنتجها وزارته بالعشرات؛ فقال إن الغاية منه ليست صياغة استراتيجيات أو وثائق سياسات جديدة، فهذه مهمة تؤديها الوزارة أصلاً، وإنما النظر إلى المستقبل بخيال مفتوح، وتحديد «المجالات التي يجب أن نسيطر عليها، والقدرات التي يجب أن نتقنها». وأضاف أن عمل الفريق سينصبّ على «اكتشاف وتطوير ونشر الأسلحة والأنظمة التي سيحتاجها أبناؤنا وأحفادنا في حياتهم»، دون أي قيود على الخيال، في أي ساحة قتال مستقبلية، «من باطن الأرض إلى ما وراء القمر».

وقدّم هيغسيث المشروع بوصفه استثماراً في ما سمّاه مصدر تفوّق أمريكي فريداً لا يملكه الخصوم؛ والمتمثل في المبتكرين والقادة والتقنيين القادرين على استشراف الحلول لصراعات الغد.

ومنح الوزير الفريق مهلة 120 يوماً لتقديم نتائجه، أي حتى أواخر يناير المقبل تقريباً، على أن تصدر في نسختين؛ تقرير علني يُعلن للجمهور، وآخر سري. وكان من المقرر أن يعقد الثلاثي اجتماعه الأول مع الوزير فور انتهاء الخطاب، في غرفة مؤمّنة للمعلومات المصنفة لا تبعد سوى نحو 200 ياردة عن منصة الخطاب.

وسيقدم إميل مايكل، المسؤول عن التكنولوجيا في البنتاغون، تسهيلات عمل المشروع. ويعد مايكل صاحب تصريح لافت أدلى به للصحافيين في ديسمبر الماضي، حين قال إنه يتمنى أن يرى «خمس شركات أخرى مثل أندوريل وبالانتير وسبيس إكس» تزدهر في قاعدة الصناعات الدفاعية الأمريكية.

أما لوكي، فقال لـ«أكسيوس» إن الأمريكيين يكونون في أفضل حالاتهم حين يجتمع أذكى علمائهم ومهندسيهم وتقنييهم لحل أصعب مشكلات الأمن القومي، مضيفاً أن الفريق لن يكتفي بدراسة الحروب الدائرة اليوم، وسيفكر بجدية في الحروب التي لا تستطيع أمريكا تحمّل خوضها في أعوام 2030 و2050 و2100، وفي ما ينبغي بناؤه الآن لمنع وقوعها.

ستة مشاريع

لم يكن «ميريديان» الإعلان الوحيد في الخطاب؛ فقد جاء ضمن ست مبادرات كشف عنها هيغسيث لإعادة تشكيل القوات الأمريكية. أبرزها إنشاء «قيادة الحرب الذاتية»، وهي قيادة قتالية جديدة يرأسها جنرال بأربع نجوم، تصفها التقارير بأنها القيادة القتالية الثانية عشرة في الجيش الأمريكي، وستتولى تطوير ونشر الطائرات المسيّرة والأنظمة الروبوتية فيما وصفه الوزير بأنه «أسرع تحول في زمن السلم في التاريخ العسكري الحديث».

كما شملت المبادرات برنامجاً لتخزين الذخائر والمواد الحيوية لسلاسل الإمداد، إلى جانب مخزونات من الأدوية والدم، قدّمه الوزير باعتباره «بوليصة تأمين وطنية للوطن الأمريكي»، إضافة إلى برنامج لإعداد الطلاب العسكريين، ومشروع لقاعدة عسكرية نموذجية جديدة، ومكتب للشؤون الدينية.

وأعلن هيغسيث كذلك أنه أمر بتقليص إضافي في أعداد كبار الضباط، في إطار حملته على ما يسميه «ثقافة اليقظة» داخل المؤسسة العسكرية، وقال إن وسائل الإعلام تسمّي ذلك «تطهيراً»، بينما يسمّيه هو «محاسبة تأخرت كثيراً». وفي الجيش الأمريكي اليوم نحو 850 جنرالاً وأدميرالاً في الخدمة الفعلية.

ويكشف تزامن الإعلانين، «قيادة الحرب الذاتية» و«ميريديان»، عن الاتجاه الذي تمضي فيه الوزارة: حرب تعتمد على المسيّرات والروبوتات والذكاء الاصطناعي، وهي بالضبط المجالات التي بنى فيها ماسك ولوكي إمبراطوريتيهما.