لا شك أن الحفاوة الاستثنائية التي أظهرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ ليست مجرد مجاملة بروتوكولية.

إذا جمعنا شكل الاستقبال مع توقيت القمة والملفات المطروحة، فهناك رسائل عدة موجهة في وقت واحد إلى شي، والصين، والداخل الأمريكي، والعالم؛ فالابتسامة هنا ليست بالضرورة علامة ثقة؛ أو بالضرورة أن ترامب وشي أصبحا صديقين.

قد تكون وسيلة لتهيئة المناخ لإدارة الصراع وتحقيق تعايش اضطراري في ظل التهاب عدد من الملفات لا سيما ملف إيران وما يتعلق بمضيق هرمز والتكنولوجيا والحرب التجارية، فقد ازدادت الحاجة إلى نوع من التواصل المباشر لإدارة الأزمات ومنعها من التحول إلى صدام شامل. فالقمة لم تنتج أي اختراق كبير ما عدا تمديد الهدنة التجارية لشهرين.

واللافت أن القمة كانت كبيرة في رمزيتها، لكن نتائجها المعلنة كانت محدودة نسبياً. لذلك يمكن النظر إلى الاستقبال المبهر باعتباره إشارة إلى فتح صفحة جديدة في أسلوب إدارة العلاقة، وليس إعلاناً عن انتهاء الخلاف.

قمة ترامب وشي تستحق القراءة بعيداً عن الصور الاحتفالية والعشاء الرسمي.

فهي جاءت في لحظة شديدة الحساسية: هدنة تجارية هشة، سباق على الذكاء الاصطناعي، صراع على المعادن النادرة، خلاف حول تايوان، وحرب إيران التي أضافت بُعداً جيوسياسياً جديداً للعلاقة.

إن مجرد الحفاظ على قنوات الاتصال وتجنب الصدام المباشر كان هو الهدف الأساسي لا سيما في ظل أزمات الطاقة العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتنافس المحتدم في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمعادن.

الحرب مع إيران غيّرت الحسابات الجيوسياسية. فالولايات المتحدة تخوض مواجهة لها تداعيات عسكرية واقتصادية، بينما الصين ليست طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها مرتبطة بإيران من خلال الطاقة والتجارة.

ترامب لم يستقبل شي بحفاوة كبيرة لأنه تخلى عن المنافسة مع الصين، وشي لم يأت إلى واشنطن لأنه قرر قبول الشروط الأمريكية. كلاهما جاء لأن المنافسة وصلت إلى مرحلة أصبح فيها التفاوض ضرورة.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن أكثر ما تحتاجه واشنطن وبكين اليوم ليس أن تتفقا، وإنما أن تتواصلا من دون أن تتحول المنافسة إلى مواجهة.

هنا تبدأ المعركة الحقيقية إذا كانت التجارة تمثل مشكلة الحاضر، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل مشكلة المستقبل.

العالم يدخل مرحلة «إدارة الخصومة» وهنا تظهر مفارقة المرحلة الحالية: كلما اتسعت المنافسة بين البلدين يتم اللجوء إلى التعايش الاستراتيجي لمنع انفلات الوضع، ترامب اختار أن يعامل شي كضيف دولة رفيع المستوى، لا كخصم استراتيجي فقط.

وهذا نموذج جديد من العلاقات الدولية، فالهدف من القمة لم يعد بالضرورة إنهاء المنافسة.

إنها أقرب إلى اتفاق بين متنافسين على قواعد اللعبة سيما أن حرب أمريكا مع إيران جعلت الصين لاعباً مهماً في الحسابات الأمريكية، لأن بكين مرتبطة بإيران اقتصادياً ونفطياً.

فالهدف استخدام العلاقة الأمريكية–الصينية لإدارة أزمة إيران بدل تحويلها إلى جبهة جديدة بين واشنطن وبكين، وقد انتهت القمة بـ «هدنة باردة» وتفاهمات مؤقتة أبقت الملفات الخلافية مفتوحة لكن جعلت دوراً للصين في الملف الإيراني.

الصور التي خرجت من البيت الأبيض توحي ببداية صفحة جديدة، لكن مضمون القمة يقول شيئاً أكثر تحفظاً، والدليل أن شي، في قلب أجواء المصافحة والعشاء، أعاد تثبيت خطوط الصين الحمراء بشأن تايوان.

ربما يكون أهم تحول في القمة هو تمديد الهدنة التجارية لشهرين والتفاهم على استمرار الحوار، بحث التعاون في الذكاء الاصطناعي، محاولة احتواء ملف إيران، لكن دون حل للخلافات الأساسية حول تايوان والتكنولوجيا والنفوذ.

والاختبار الحقيقي للقمة لن يكون في صور ترامب وشي أمام البيت الأبيض، وإنما في الأشهر المقبلة: هل تتحول الهدنة التجارية إلى اتفاق أطول؟ وإذا ظهرت ترتيبات حقيقية بشأن المعادن النادرة والتكنولوجيا، وملف إيران ومضيق هرمز يمكن عندها القول إن قمة واشنطن كانت بداية تحقيق اختراق وتحقيق مستويات متقدمة من التفاهم، لكن تبقى تايوان الجدار الذي يصعب تجاوزه لأنها تمس جوهر التصور الأمني لكل طرف.

فهذا يؤكد للعلن انه لا يمكنهما إنهاء المنافسة، لكن لا يمكنهما أيضاً تحمل انفلاتها.

لذلك أصبحت العلاقة تحتاج إلى إدارة مباشرة من أعلى مستوى لخلق تفاهم الضرورة بين قوتين تتنافسان على قيادة القرن الحادي والعشرين. فالقمة تمثل تهدئة مؤقتة وليست تحولاً في العلاقات الاستراتيجية.