في غضون أيام، كانت ثلاث قارات تعيش مشاهد مختلفة من الطقس المتطرف؛ ففي أوروبا كشفت بيانات ودراسات نُشرت خلال الأيام الأخيرة حجم الخسائر الصحية التي خلّفتها موجات الحر الأخيرة.

وفي مدينة فيلادلفيا الأمريكية، أعلنت السلطات حالة الطوارئ بعد عواصف رعدية عنيفة تسببت في أضرار واسعة، أما في شمال الصين، فقد عزلت السيول التي أعقبت الإعصار «بافي» قرى وأوقفت قطارات وأغلقت مدارس.

مشاهد مختلفة في تفاصيلها، لكنها تعكس اتساع رقعة الظواهر الجوية المتطرفة التي تشهدها مناطق متفرقة من العالم في توقيت متقارب.

وكانت أوروبا أول من كشف حجم الكلفة الصحية لهذا الصيف. ففي ألمانيا، أظهر استطلاع أجرته شركة التأمين الصحي «داك جيزوندهايت» ونفذه معهد «فورسا» أن نحو ثلث السكان تعرضوا بالفعل لمشكلات صحية بسبب الحر، وهي أعلى نسبة يسجلها التقرير منذ إطلاقه عام 2022.

وجاء التعب والإرهاق واضطرابات النوم في مقدمة الأعراض، في حين كانت النساء الأكثر تأثراً. كما أفاد 5 % من المشاركين بأنهم راجعوا طبيباً بسبب أعراض مرتبطة بالحرارة، في حين رأى ثلاثة أرباعهم أن إجراءات الحماية الحالية لم تعد كافية.

أوروبا.. مشكلات صحية

ولا تتوقف آثار الحرارة عند الإجهاد الجسدي. فقد خلصت دراسة نشرتها دورية «نيتشر هيلث» إلى أن موجات الحر ترتبط بزيادة مراجعات المستشفيات بسبب الاضطرابات النفسية والسلوكية. ورجّح باحثون من جامعة موناش الأسترالية أن يؤدي التعرض لدرجات حرارة مرتفعة إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر، بما يرفع مستويات القلق.

وتعكس بيانات الوفيات حجم هذه التداعيات على مستوى القارة. فقد سجلت شبكة «يورومومو»، المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها ومنظمة الصحة العالمية، أكثر من 10650 وفاة إضافية في 27 دولة أوروبية خلال الأسبوع الذي بلغت فيه موجة الحر ذروتها أواخر يونيو، كان أكثر من تسعة آلاف منها بين من تجاوزوا الخامسة والستين.

وقال الطبيب لاسي فيسترجارد، من معهد «ستاتنز سيرم» الدنماركي، لـ«رويترز»، إن هذا الارتفاع غير معتاد في مثل هذا الوقت من العام، مرجحاً أن تكون الحرارة الشديدة السبب الرئيس وراءه.

وفي بريطانيا، قدّر باحثون من «إمبريال كوليدج لندن»، بالتعاون مع مكتب الأرصاد الجوية البريطاني وكلية لندن للصحة والطب الاستوائي، أن موجتَي الحر في مايو ويونيو ارتبطتا بأكثر من 2700 وفاة. ووصف مارك مكارثي، من مكتب الأرصاد الجوية، الموجتين بأنهما «استثنائيتان بشكل خاص» لوقوعهما في وقت مبكر من الصيف، في حين أعلنت وكالة الأمن الصحي البريطانية أنها ستصدر تقديراتها الرسمية للوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الأسابيع المقبلة.

وامتدت تداعيات موجات الحر إلى تفاصيل الحياة اليومية في فرنسا، حيث وُضع نحو 26 مليون شخص تحت أعلى درجات الإنذار الأحمر المناخي، وقد جرى توسيع نطاق هذا الإنذار ليشمل 37 مقاطعة في البر الرئيس الفرنسي، وفق حسابات وكالة فرانس برس.

وألغيت فعاليات عامة، وقُلصت إحدى مراحل سباق فرنسا للدراجات، وأغلق برج إيفل أبوابه مبكراً، بالتزامن مع اتساع حرائق الغابات التي التهمت أكثر من 25 ألف هكتار منذ بداية العام، وفق بيانات جهاز الأمن المدني.

عواصف في الولايات المتحدة

وإذا كانت أوروبا تكشف جانباً من الكلفة الصحية للطقس المتطرف، فإن المشهد على الجانب الآخر من الأطلسي حمل صورة مختلفة. ففي غرب الولايات المتحدة، سجلت مدينتا سولت ليك في ولاية يوتا وبيلينغز في مونتانا 43 درجة مئوية، وهي أعلى درجة حرارة في تاريخ المدينتين منذ بدء الرصد قبل أكثر من 150 عاماً، بحسب بيانات أولية لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأمريكية.

أما في شرق البلاد، فأعلنت مدينة فيلادلفيا حالة الطوارئ بعد عواصف رعدية صاحبتها رياح بلغت سرعتها ما بين 97 و113 كيلومتراً في الساعة، وتسببت في اقتلاع الأشجار وانقطاع الكهرباء وغمر الشوارع وانهيار مبنى وإجلاء عدد من السكان.

سيول تجتاح الصين

ولم تكن الصين بعيدة عن هذه المشاهد، لكن التحدي هناك جاء من السيول التي أعقبت مرور الإعصار «بافي»؛ فقد غمرت المياه الطرق وجرفت مركبات وعزلت نحو 1800 شخص في إحدى المقاطعات، في حين علقت السلطات حركة عدد من القطارات وأوقفت الدراسة في مناطق عدة، مع استمرار التحذيرات من أمطار غزيرة وعواصف رعدية ورياح شديدة.

وبين بيانات الوفيات في أوروبا، والعواصف في الولايات المتحدة، والسيول في الصين، تتقاطع مشاهد الطقس المتطرف في أكثر من قارة خلال الفترة نفسها.

ورغم اختلاف هذه الظواهر في طبيعتها، فإن دراسات وهيئات علمية، بينها منظمة الصحة العالمية والمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها، تربط بين تزايد وتيرتها وحدتها وبين تغير المناخ، وما يفرضه ذلك من تحديات متنامية على الصحة العامة والبنية التحتية وأنظمة الطوارئ.