احتفلت الولايات المتحدة الأمريكية بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال وسط فعاليات ضخمة، لكن المناسبة تأتي في ظل انقسام سياسي ومجتمعي واسع يثير تساؤلات حول مستقبل الديمقراطية والهوية الأمريكية.

وتأتي المناسبة في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب سياساته في ملفات الهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية، إضافة إلى حضوره البارز في الفعاليات الرسمية الخاصة بالذكرى، ما دفع كثيرين إلى اعتبار أن الاحتفال بات مرتبطاً بالسياسة أكثر من كونه مناسبة وطنية جامعة.

يواجه العيد الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية تناقضاً عميقاً بين مبادئ التأسيس (1776) والواقع الحالي؛ حيث تحولت المناسبة الوطنية من رمز للوحدة والحرية إلى مرآة تعكس أزمة هوية حادة واستقطاباً سياسياً ومجتمعياً غير مسبوق يهدد مستقبل العقد الاجتماعي، حيث حذّر ترامب في كلمة ألقاها على جبل راشمور عشية الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، أمس (الجمعة)، مما وصفه بأنه تهديد جديد لهوية بلده من «المتعصبين والمتطرفين» داخله.

شهدت أنحاء الولايات المتحدة الاحتفالات بالذكرى الـ250 للإعلان التاريخي للاستقلال. وتحلّ هذه المناسبة على البلاد على وقع استقطاب سياسي حاد وموجة حر خانقة تتربّص بملايين الأشخاص في عدد من الولايات.

وأثنى ترامب في كلمة ألقاها عند قاعدة النصب التذكاري الشهير الذي يضم منحوتات ضخمة لرؤوس أربعة من أسلافه على ما اصطُلِح على تسميته «الحلم الأمريكي»، لكنه أضاف: «نرى هويتنا الأمريكية تتعرض لهجوم متجدّد»،

كما وصف ترامب الولايات المتحدة بأنها دولة تنظر إلى الرب «الحقوق التي نتمتع بها التي منحنا إياها الرب الذي خلقنا ولن يتم انتهاك تلك الحقوق».

وأضاف ترامب البالغ من العمر 80 عاماً قائلاً: «لم تفعل أي دولة أخرى خيراً للعالم أكثر من الولايات المتحدة».

وشدد على أنه يتم التحدث بالإنجليزية في الولايات المتحدة لأنها لغة الآباء المؤسسين دون ذكر أن عدداً كبيراً للغاية من الشعب في البلاد يتحدث الإسبانية أيضاً.

وقال ترامب مشيراً إلى الرؤساء جورج واشنطن وتوماس جيفرسون وثيودور روزفلت وأبراهام لينكولن: «هؤلاء هم الرجال الذين أعلنوا الحرية، وانتزعوا حريتنا، وأنقذوا حريتنا، وضَمِنوا حريتنا. كانوا أصحاب فعل، وأصحاب طموح، وأصحاب جرأة، ورجال قدر، ورجال ذكاء كبير».

وأضاف ترامب: «الشيوعية تهديد قاتل للحرية الأمريكية»، مؤكداً: «إنها أكبر تهديد لبلدنا، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية وهجوم بيرل هاربر أو حتى أحداث 11 سبتمبر».

ودأب الرئيس الأمريكي على إبراز هذه الفكرة في التصريحات التي أدلى بها في الأسابيع المنصرمة، في وقت حقق ذوو التوجهات اليسارية داخل الحزب الديمقراطي موجة من الانتصارات في الانتخابات التمهيدية، وفق ما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية.

وركّزت مواقف ترامب الأخيرة على اعتبار صعود اليسار قبل الانتخابات النصفية المرتقبة في نوفمبر (تشرين الثاني)، هجوماً من «الشيوعيين» يشكّل «تهديداً» كبيراً للولايات المتحدة.

ويرى محللون أن اختيار ترامب جبل راشمور موقعاً لإلقاء كلمته يُظهر أنه يرى نفسه أحد القادة العظماء في تاريخ الولايات المتحدة.

ينظّم ترامب تجمّعاً جماهيرياً في متنزه «ناشونال مول» في واشنطن، سيتخلله تحليق طائرات عسكرية، إضافة إلى ما وصفه بأنه أكبر عرض للألعاب النارية في العالم

وبات يستخدم بصورة متزايدة احتفالات الذكرى الـ250 منصة لحشد الدعم السياسي للجمهوريين، وله أيضاً.

وهز استطلاع للرأي أجرته جامعة كوينيبياك أن 61% من الأمريكيين يرون أن الولايات المتحدة لا تطبق المبادئ المنصوص عليها في إعلان الاستقلال.

غير أن المواقف من هذه المسألة بدت منقسمة سياسيا، إذ يرى الجمهوريون أن البلاد لا تزال تجسد تلك المبادئ، ويعتبر معظم الديمقراطيين أنها ليست كذلك.

ترى المؤرخة بيفرلي غيغ، من جامعة ييل، أن الاحتفال بعيد الاستقلال أصبح يحمل طابعاً حزبياً أكثر من أي وقت مضى، مشيرة إلى أن حالة التشاؤم المنتشرة بين الأمريكيين تعكس حجم الانقسام الذي تشهده البلاد.

وشهدت فعاليات الاحتفال بالذكرى الـ250 للاستقلال، التي تولّت تنظيمها مجموعة مرتبطة بترامب، إقبالاً خجولاً.

وانتشرت تعليقات ساخرة بعد تداول صور أجنحة معرض أُقيم في العاصمة احتفالاً بالاستقلال، فارغة من الزوار.

ولا تساعد موجة الحرّ الشديد كذلك في توافد الزوار وفي أجواء الجدل شهد الاحتفال موجة حر قياسية ففي واشنطن، أُغلقت «Great American State Fair» لساعات عدة خلال ذروة الحر، كما أُلغي عرض يوم الاستقلال في شوارع المدينة، إذ يمكن أن تصل الحرارة في العاصمة الأمريكية إلى 46 درجة.

وفي أماكن أخرى، نظمت عروضا للألعاب النارية م فوق «Navy Pier» في شيكاغو وعلى خلفية أفق نيويورك، التي شهدت إسقاط الكرة المضيئة «ball drop» إيذاناً ببدء العطلة في أجواء تشبه ليلة رأس السنة .

ومن المقرر أن تحلق المقاتلات والمروحيات فوق واشنطن طوال اليوم. ومن المنتظر أن تنضم طائرة الرئاسة الأمريكية «أير فورس ون» إلى المشهد، حيث ستحلق إلى جانب قاذفات أمريكية فوق العاصمة.