في العالم النووي، ثمّة قواعد ومعاهداتٌ لحظر الانتشار، ومفتّشون يدخلون المنشآت، وخطوطٌ حمرٌ معلومة، وكلفةٌ سياسيةٌ باهظةٌ تنتظر من يقترب من المحظور. أمّا في العالم الرقمي، فالسلاح يولد في شيفرةٍ، ويُطوَّر داخل مختبرٍ تجاري، ويُستخدم في الظلّ، ولا يملك المجتمع الدولي حتى اللحظة صكّاً واحداً ملزماً يكبح انتشاره أو يُحاسب على استخدامه.

من هذه الزاوية الدقيقة وحدها ينبغي قراءة التحذير الذي أطلقه تحالف «العيون الخمس» في الثاني والعشرين من يونيو الجاري، حين نبّه إلى أنّ نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدّمة ستُحدث تحوّلاً جذرياً في قدرات الهجوم السيبراني «خلال أشهرٍ لا سنوات».

التحذير، في جوهره، ليس إنذاراً تقنياً عابراً، بل كشفٌ لخللٍ أعمق، دخل بسببه العالم سباق تسلّحٍ رقميٍّ دون أن يملك نظام منع انتشارٍ يضبطه. ومن هذا الفراغ يطرح سؤال نفسه على طاولات صنّاع القرار؛ هل آن أوان معاهدةٍ لمنع التسلّح الرقمي، تُحاكي ما أنجزته البشرية في ميدان السلاح النووي؟

سلاحٌ بلا دخان

تكمن وجاهة السؤال في أنّ البشرية واجهت من قبل سلاحاً قادراً على دمارٍ شامل، فابتكرت له منظومةً من المعاهدات نجحت، رغم نواقصها، في احتواء الكارثة عقوداً. واليوم بات النموذج الرقمي المتقدّم يحمل، في يد دولةٍ معادية، قدرةً تخريبيةً على البنى المدنية تقترب في أثرها من أثر السلاح الاستراتيجي؛ من قدرة على شلّ شبكات الكهرباء، إلى تعطيل المستشفيات، إلى إرباك المصارف. وتكفي الإشارة سريعاً إلى أنّ هذه النماذج تتيح هجماتٍ تتكيّف ذاتياً وتُدار بلا جهدٍ بشريٍّ يُذكر، حتى تتّضح المسافة بينها وبين أدوات الأمس.

المفارقة تبدأ هنا بالضبط، فحين تتشابه آثار السلاحين، تتباعد طبيعتهما تباعداً يجعل استنساخ الحلّ على طريقة المعاهدات النووية عسيراً. وهذا التباعد هو ما يصنع العقبات الأربع الكبرى في وجه أيّ معاهدةٍ رقمية.

العقبة الأولى

قامت المنظومة النووية كلّها على ركيزةٍ مادية واحدة. فاليورانيوم يحتاج إلى مفاعلاتٍ ضخمةٍ وأجهزة طردٍ مركزيٍّ ترصدها الأقمار الاصطناعية، ومنشآتٍ تدخلها فرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفتّشها. هذه الماديّة هي ما جعل التحقّق ممكناً، والسيطرة واقعية، وأعطى للمعاهدة معنى.

أمّا السلاح الرقمي فلا مادّة له. إنّه وزن نموذجٍ يُخزن في ذاكرةٍ بحجم الإبهام، أو شيفرةٌ تنتقل عبر خادمٍ في أجزاءٍ من الثانية. فكيف تُفتّشه؟ أم كيف تدخل لجان التحقّق الدولية لخوادم بكين وواشنطن وتتفحص الأكواد سطراً سطراً؟

غياب الماديّة في سباق التسلح الرقمي هو المستحيل المربك لأيّ معاهدة محتملة؛ إذ لا يترك السلاح الرقمي سوى أثر قابل للإنكار. وهذه «معضلة العزو» (Attribution) التي يجمع خبراء القانون الدولي على أنّها العقبة الكؤود؛ فكيف تُثبت وقوف دولةً بعينها خلف هجوم معين؟ أم كيف تميّز بين فعلٍ حكوميٍّ وفعل مجموعة قرصنةٍ مستقلّةٍ تعمل من أرض تلك الدولة؟

العقبة الثانية

في المنظومة النووية، الأمر واضح؛ المفاعل إمّا أن يولّد الكهرباء وإما أن يستخدم لأغراض عسكرية تنتهي بصناعة القنبلة النووية، والتخصيب عالي المستوى مؤشّرٌ لا يُخطئ. أمّا نموذج الذكاء الاصطناعي فهو أبرز تجل للوصف العربي الشهير "سلاح ذو حدين"؛ حيث يمكن أن يصبح النموذج الذي يكتشف به طبيبٌ علاجاً للسرطان أداةً يخترق بها قرصانٌ ثغرةً أمنية. «ازدواجية الاستخدام» (Dual-Use) هذه هي المعضلة التي تواجه البشرية الآن لكبح هذا السباق؛ إذ لا يمكن حظر انتشار التقنية دون حظر التقدّم البشري نفسه. فأيّ معاهدةٍ تطمح إلى تقييد النموذج تصطدم فوراً بحقيقة أنّه أداة ازدهارٍ مدنيٍّ قبل أن يكون أداة حرب.

العقبة الثالثة

ثمّة فارقٌ بنيويٌّ يفصل بين السلاح النووي ونماذج الذكاء الاصطناعي؛ فالسلاح النووي حكرٌ على الدول، تملكه الجيوش وتحرسه الحكومات. أمّا الذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن يتحول إلى سلاح رقمي فـ«مخصخص»؛ تطوّره شركاتٌ تجاريةٌ في وادي السيليكون وبكين وغيرها، بدافع الربح. فكيف تصوغ الأمم المتحدة معاهدةً ملزمة للدول، بينما مفاتيح السلاح الفعليّة، القدرة على إطلاق النموذج أو كبحه، بيد مجالس إدارة شركاتٍ عابرةٍ للقارّات؟

ولم يكن هذا الإشكال نظرياً، فقد جسّدته واقعةٌ حيّةٌ قبيل صدور بيان "العيون الخمس"، حين عطّلت شركة «أنثروبيك» نسخةً من نموذجها المتقدّم «ميثوس» امتثالاً لأمرٍ حكوميٍّ أمريكيٍّ بتعليق وصول الرعايا الأجانب إليه، في سابقة تختصر المعضلة كلّها.

العقبة الرابعة

وحتى لو نضجت الإرادة السياسية، يبقى تفاوتٌ زمنيٌّ قاتل. فصياغة بندٍ واحدٍ في معاهدةٍ دولية تستغرق سنواتٍ من التفاوض والمصادقة، بينما يتطوّر النموذج الرقمي كلّ بضعة أشهر. القانون الدولي يسير بإيقاع بطيء مثقل بالبيروقراطية، أما الخوارزميات فتركض بإيقاع سريع يكاد يخرج عن سيطرة البشر أنفسهم. وهذه الفجوة بين المدة التي يتطلبها اعتماد «التشريع» و«زمن تطور نماذج الذكاء الاصطناعي» تجعل أيّ نصٍّ قانونيٍّ عتيقاً لحظة ولادته.

الفراغ ليس تاماً

من الإنصاف القول إنّ العالم لا يقف على أرضٍ جرداء قانونياً في هذا الشأن. فمنذ 2015، أقرّت مجموعة الخبراء الحكوميين بالأمم المتحدة 11 «معياراً» طوعياً للسلوك المسؤول في الفضاء السيبراني، أعاد تأكيدها جميع الأعضاء عام 2021، من بينها صراحةً ألا تستهدف الدول البنى التحتية الحيوية لنظيراتها، وألا تسمح باستخدام أراضيها لأفعالٍ ضارّة بدول أخرى. والفكرة ليست جديدةً على الصناعة أيضاً؛ ففي 2017 دعا براد سميث، الرئيس ورئيس الشؤون القانونية في «مايكروسوفت»، إلى «اتفاقية جنيف رقمية» تُلزم الحكومات بحماية المدنيين من هجمات الدول في زمن السلم.

لكنّ العلّة أنّ كلّ ذلك غير ملزم، وبلا آلية تحقّقٍ ولا مسطرة عقوبات. والدليل الأحدث على هشاشة الرهان تجربة التفاوض على تنظيم الأسلحة ذاتية التشغيل الفتّاكة؛ فرغم دعوة الأمين العام للأمم المتحدة منذ 2023 إلى نص ملزمٍ بحلول 2026، وتأييد أكثر من 120 دولة، يرى باحثون أنّ معارضة القوى الكبرى تجعل أمل التوصّل إلى صيغة ملزمة ضعيفاً إلى حدّ الانعدام. وهي الإشارة ذاتها التي تتهدّد أيّ معاهدةٍ رقمية.

عقدة القوى الكبرى

في صميم العرقلة تكمن معضلة الردع المقلوب. فلا أحد يريد أن يقيّد نفسه قبل أن يعرف أين يقف خصمه. واشنطن مثلاً تخشى أن تلحق بها بكين، فيما تعوّل بكين على الفضاء الرقمي وسيلةً لكسر الهيمنة الأمريكية، وغبر بعيد تجد موسكو في الفضاء الرقمي مجالاً منخفض الكلفة لمناكفة الغرب عدوها اللدود، أما الدول المتوسّطة فترى في السلاح السيبراني تعويضاً عن ضعفها العسكري التقليدي.

وهكذا يتحوّل الفضاء الرقمي إلى ما يشبه «غابةً» بلا قواعد، يُحجم فيها كلٌّ عن توقيع معاهدة تقيده، ما دام يطمح إلى السبق. وما يفاقم الأمر أنّ النووي محكوم بـ«توازن رعبٍ» واضح؛ ضربةٌ مقابل ضربةٍ مؤكّدة. أمّا الرقمي فغير قابل للتتبع وتوجيه الاتهام بكل ثقة، ذلك أن أبسط الردود أن ترمى التهمة على مجموعة قراصنة رقميين خارجين على القانون، وبذلك يغيب الرعب الرادع الدافع نحو الاتفاق.

حدّ أدنى

إذا كانت المعاهدة الشاملة بعيدةً، فإنّ ملامح «حدٍّ أدنى» من القواعد بدأت تتبلور في أدبيات القانون الدولي، يمكن إجمالها في: حظر استهداف البنى المدنية الحيوية زمن السلم؛ مثل الكهرباء والمياه والمستشفيات والمطارات والمصارف. ومنع تطوير أو إطلاق برمجياتٍ ذاتية الانتشار يصعب إيقافها بعد انفلاتها. والتزام الدول بعدم إيواء مجموعات قرصنةٍ تعمل بالوكالة عنها. وإنشاء آليةٍ دوليةٍ مستقلّة للتحقيق في الهجمات الكبرى. وحماية أوزان النماذج المتقدّمة من التسريب. وإلزام الشركات المالكة للنماذج عالية الخطورة بمعايير أمانٍ واختباراتٍ مستقلّة.

طموح بعيد المنال

تعيدنا كلّ هذه الخيوط إلى السؤال الأوّل، لكنّها تعدّل صيغة الجواب. فالمعاهدة الشاملة على غرار المعاهدات النووية تبدو، في ضوء معضلات التحقّق والازدواجية والخصخصة، طموحاً مثالياً بعيد المنال. لكنّ البديل ليس الاستسلام والتراخي. فما يحتاجه العالم الآن ليس نصاً مكتملاً يصعب تجاوزه، بل «قواعد دنيا» قابلة للتطبيق. وبين تحذيرٍ يصفه بعضهم بالمتأخّر، ومهلةٍ تسابق خوارزميات تتطور بسرعة هائلة، يبقى السؤال معلّقاً؛ هل ينتظر العالم "قنبلته الرقمية" الأولى، حتى يجلس إلى طاولة التفاوض؟ التاريخ يقول إنّ البشرية نادراً ما تبني قواعد اللعبة إلا بعد أن تدفع ثمن غيابها.