أسدل سلاح مشاة البحرية الأمريكي الستار على واحدة من أشهر الطائرات العسكرية في التاريخ الحديث، معلناً تقاعد المقاتلة الأسطورية ذات الإقلاع والهبوط العمودي بعد أكثر من خمسة عقود من الخدمة القتالية التي جعلتها رمزاً للتفوق الجوي والمرونة العملياتية في ساحات المعارك حول العالم.
وفي الثالث من يونيو 2026، نفذت خمس طائرات من هذا الطراز تحليقاً وداعياً فوق قاعدة شيري بوينت الجوية التابعة لقوات المارينز، في مشهد مؤثر مثّل النهاية الرسمية لمسيرة امتدت 55 عاماً، شاركت خلالها الطائرة في أبرز النزاعات العسكرية التي شهدها العالم منذ سبعينيات القرن الماضي.
ثورة حقيقية
عندما ظهرت هذه المقاتلة لأول مرة، أحدثت ثورة حقيقية في عالم الطيران العسكري بفضل قدرتها الفريدة على الإقلاع والهبوط عمودياً أو من مدارج قصيرة للغاية، وهي ميزة منحتها قدرة استثنائية على العمل من مواقع يصعب على المقاتلات التقليدية استخدامها.
واعتمدت الطائرة على نظام مبتكر يوجه قوة دفع المحرك في اتجاهات مختلفة عبر فوهات متحركة، ما أتاح لها التحليق والإقلاع من السفن والقواعد الميدانية الصغيرة وحتى المناطق التي تفتقر إلى البنية التحتية الجوية المتطورة.
ويشير خبراء الطيران إلى أن هذه التقنية كانت متقدمة للغاية مقارنة بالإمكانات التقنية المتاحة آنذاك، حيث طُورت في فترة سبقت انتشار أنظمة الحواسيب المتطورة التي أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من تشغيل الطائرات المقاتلة الحديثة.
اهتمام
ورغم ارتباطها الوثيق بقوات المارينز الأمريكية، فإن جذور الطائرة تعود إلى بريطانيا، حيث جرى تطوير النسخة الأولى منها قبل أن تستقطب اهتمام الولايات المتحدة التي سارعت إلى طلب أكثر من مئة طائرة في مطلع سبعينيات القرن الماضي.
ودخلت أولى الطائرات الخدمة لدى المارينز عام 1971، قبل أن تشهد لاحقاً عمليات تطوير واسعة أدت إلى إنتاج نسخة أكثر تطوراً دخلت الخدمة منتصف الثمانينيات، واستمر تصنيعها حتى عام 2003.
سجل قتالي
لم تكن شهرة الطائرة نابعة فقط من تقنياتها الفريدة، بل من سجلها القتالي الحافل أيضاً.
فخلال حرب جزر الفوكلاند عام 1982 أثبتت كفاءة استثنائية عندما واجهت أعداداً أكبر من المقاتلات المعادية، ونجحت في تحقيق نتائج لافتة دون أن تتكبد خسائر في المعارك الجوية المباشرة.
أما في حرب الخليج عام 1991، فقد لعبت دوراً محورياً ضمن العمليات الجوية للتحالف، حيث نفذت أكثر من 3300 طلعة قتالية، وأسهمت في دعم القوات البرية وتدمير أهداف استراتيجية في ساحات المعارك.
كما شاركت لاحقاً في العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق وسوريا، إضافة إلى مهمات متعددة في البحر الأحمر ومناطق أخرى حول العالم، لتصبح واحدة من أكثر الطائرات استخداماً في العمليات القتالية خلال العقود الأخيرة.
مقاتلات شبحية
ورغم نجاحها الكبير، فإن التطور المتسارع في تقنيات الطيران العسكري فرض واقعاً جديداً، مع دخول جيل أحدث من المقاتلات الشبحية متعددة المهام القادرة على تنفيذ مهام أكثر تعقيداً بكفاءة أعلى.
ومع بدء الاعتماد المتزايد على المقاتلة الشبحية الحديثة ذات الإقلاع القصير والهبوط العمودي، تقرر إنهاء خدمة الطائرة الأسطورية التي ظلت لعقود رمزاً للابتكار العسكري والقدرة على العمل في أصعب الظروف.
وبتقاعد هذه المقاتلة، يطوي سلاح مشاة البحرية الأمريكي صفحة استثنائية من تاريخ الطيران الحربي، تاركاً وراءه إرثاً عسكرياً وتقنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الطيارين وخبراء الطيران كواحد من أكثر الإنجازات تأثيراً في تاريخ القوة الجوية الحديثة.