تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الملف الإيراني بات في «المرتبة الثانية» وأن اهتمام إدارته سيتجه الآن نحو الحرب في أوكرانيا، يطرح تساؤلات تتجاوز دلالاته المباشرة.

فالرئيس الأمريكي يتحدث كما لو أن الأزمة مع إيران أصبحت وراءه، أو على الأقل كما لو أن الطريق نحو الاتفاق النهائي بات معبّداً ومضموناً بما يكفي للانتقال إلى ملف دولي آخر لا يقل تعقيداً.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت الوقائع الفعلية تبرّر هذا القدر من الثقة، أم أن ترامب يحاول استباق الأحداث سياسياً قبل أن تصبح حقائق نهائية على الأرض.

فالاتفاق الأمريكي الإيراني النهائي أمامه ستون يوماً، ودونه عقبات كبيرة وربما ألغام خطيرة، كما أن كثيراً من التفاصيل الجوهرية المتعلقة بآليات التنفيذ والضمانات والعقوبات والبرنامج النووي ما زالت أطباقاً ساخنة على الطاولة.

ومع ذلك، فإن اللغة التي يستخدمها ترامب اختلفت على نحو واضح خلال الأيام الأخيرة. فبعد أسابيع من الحديث عن خطر الحرب وإمكانية اتساع المواجهة، بدأ يتحدث عن الاتفاق بوصفه أمراً شبه محسوم، وانتقل إلى الحديث عن ملفات تالية تستحق التركيز عليها.

وقد يعكس ذلك قناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن العقبات الأساسية جرى تجاوزها وأن ما تبقى يقتصر على ترتيبات فنية وسياسية قابلة للحل، في ظل النشاط المكثف والتحركات الدبلوماسية المتسارعة للوسطاء.

من الصحيح القول إن الأطراف المعنية لم تعد تتبادل الاتهامات التي كانت سائدة في المراحل السابقة، بل أصبحت تناقش شكل التفاهم وآليات تطبيقه. وهذا بحد ذاته تطور يوحي بأن المفاوضات دخلت مرحلتها الأخيرة.

لكن الأصح أن المشهد يبدو أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات وربما الرغبات. فالاعتراضات داخل إيران لمجرد الاتفاق مع أمريكا بدأت تتخذ طابعاً أكثر وضوحاً مع اقتراب لحظة الحسم.

كما أن إسرائيل لا تخفي اعتراضها على أي اتفاق يمنح طهران مكاسب سياسية أو اقتصادية من دون معالجة شاملة لنفوذها الإقليمي. وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها، لا يبدو أن جميع الأوساط السياسية والحزبية تنظر إلى الاتفاق بالعين ذاتها.

ولعل ما حدث في لبنان خلال الأيام الأخيرة يقدم مثالاً واضحاً على هشاشة الوضع، فالغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت دفعت ترامب إلى التدخل شخصياً والتحذير مباشرة وعلناً من خطوات قد تؤثر على فرص التوصل لاتفاق.

لو كان الملف الإيراني قد خرج فعلاً من دائرة الخطر، لما كان حادث أمني في بيروت قادراً على استدعاء هذا المستوى من القلق الأمريكي. وهذا يشير إلى أن الاتفاق، رغم التقدم الذي أحرزه، ما زال عرضة للتأثر بأي تصعيد ميداني أو سياسي في المنطقة.

قد يكون تصريح ترامب موجهاً إلى الداخل الأمريكي بقدر ما هو موجه إلى الخارج. فالرئيس الأمريكي يسعى منذ عودته إلى البيت الأبيض إلى تقديم نفسه بوصفه رجل الصفقات القادر على إغلاق الأزمات الكبرى.

وبعدما أمضى أسابيع يتحدث عن إيران والحرب في الشرق الأوسط، قد يكون انتقاله للحديث عن أوكرانيا محاولة لإظهار أن ملفاً شائكاً آخر بات تحت السيطرة وأن الإدارة مستعدة للانتقال إلى تحدٍ جديد.

وربما يراهن ترامب على قوة تأثيره على كييف، ونتذكر كيف أن الخطاب السياسي للرئيس فولوديمير زيلينسكي قد تغير إيجاباً تجاه الحل الدبلوماسي بعد كل لقاء يعقده مع ترامب. كما أن اختيار أوكرانيا تحديداً ليس تفصيلاً عابراً، فالحرب هناك تمثل اليوم الملف الدولي الأكثر تعقيداً بالنسبة لواشنطن وحلفائها، وترامب يدرك

أن أي نجاح في الشرق الأوسط سيمنحه زخماً سياسياً إضافياً إذا قرر إطلاق مبادرة جديدة تجاه موسكو وكييف.

لكن الوقائع تشير إلى أن الطريق ما زال طويلاً قبل اعتبار الأزمة الإيرانية ملفاً ثانوياً. فالاتفاق، إن تم، سيدخل فوراً مرحلة أكثر حساسية تتمثل في التنفيذ والرقابة والالتزام المتبادل.

والتجارب السابقة أظهرت أن كثيراً من الاتفاقات لا تواجه أخطر اختباراتها أثناء التفاوض، بل بعد توقيعها. لذلك قد يكون من المبكر الحديث عن انتقال كامل للاهتمام الأمريكي من إيران إلى أوكرانيا.