أعاد العثور على جثة موظفة مختبر «لوس ألاموس» النووي، ميليسا كاسياس، في نهاية الشهر المنصرم 2026، فتح واحد من أكثر الألغاز إثارة للجدل في الولايات المتحدة، خلال العامين الأخيرين، حول سلسلة اختفاءات ووفيات غامضة طالت علماء وباحثين وموظفين مرتبطين ببرامج نووية وفضائية وأمنية حساسة.

القضية بدأت في 26 يونيو 2025، حين اختفت ميليسا كاسياس، بعد يوم عمل في ولاية نيو مكسيكو. وبحسب شرطة الولاية، أوصلت كاسياس زوجها صباحاً إلى مختبر «لوس ألاموس» الوطني، ثم عادت إلى المنزل قائلة إنها نسيت بطاقة العمل الخاصة بها، وبعدها أخبرت ابنتها بأنها قد تعمل من المنزل ذلك اليوم، لكن بعد بضع ساعات اختفت تماماً.

وكانت آخر مشاهدة مؤكدة لها وهي تسير شرقاً على طريق قرب بلدة تالبا.لاحقاً، عثرت العائلة داخل المنزل على حقيبتها الشخصية وبطاقاتها وهاتفيها، في حين أشارت تقارير إلى أن بعض الهواتف أُعيد ضبطها بالكامل إلى إعدادات المصنع، وهو تفصيل غذّى لاحقاً الكثير من الشكوك والتكهنات.عمليات البحث استمرت أشهراً عدة، بمشاركة متطوعين وشرطة الولاية ومكتب التحقيقات، لكن من دون نتيجة.

رفات بشرية

وفي 28 مايو 2026، أبلغ أحد المتنزهين عن العثور على رفات بشرية في منطقة «مكغافي ريدج» داخل غابة كارسون الوطنية، على بعد نحو ستة أميال من المكان الذي شوهدت فيه للمرة الأخيرة. يوم السبت الماضي، أعلنت شرطة ولاية نيو مكسيكو رسمياً أن الرفات تعود إلى ميليسا كاسياس.

وأكدت الشرطة العثور على مسدس قرب الجثة، لكنها شددت على أن سبب الوفاة وطبيعتها لم يُحددا بعد، وأن التحقيقات الجنائية لا تزال مستمرة.اختفاء أم انتحار؟ما زاد القضية غموضاً قول العائلة إن المنطقة التي وُجدت فيها الجثة كانت خضعت سابقاً لعمليات تفتيش مكثفة، ما دفع بعض أفراد الأسرة للتشكيك في الرواية التقليدية حول اختفاء طبيعي أو انتحار،

كما أشارت تقارير إلى أن موظفي دائرة الغابات كانوا يعملون في المنطقة منذ ديسمبر 2025 ضمن مشروع ترميم بيئي من دون العثور على أي أثر سابق للجثة.لكن أهمية القضية لا تعود فقط إلى ظروف الوفاة، بل إلى مكان عمل كاسياس نفسها. فهي كانت موظفة في مختبر «لوس ألاموس» الوطني، أحد أكثر المختبرات حساسية في الولايات المتحدة، وهو المختبر الذي خرج منه «مشروع مانهاتن» التاريخي لتطوير القنبلة النووية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، وهو لا يزال حتى اليوم مركزاً رئيساً للأبحاث النووية والعسكرية المتقدمة.

 اختفاء

ورغم أن كاسياس كانت موظفة إدارية وليست عالمة نووية، فإن اختفاءها جاء بعد أسابيع من اختفاء موظف آخر مرتبط بالمختبر نفسه، هو أنتوني تشافيز، البالغ من العمر 78 عاماً، والذي اختفى في 8 مايو 2025. وتشير قاعدة البيانات التي تتبع هذه القضايا إلى أن تشافيز عمل سابقاً في منشآت «لوس ألاموس». وحتى اليوم ما يزال مصيره مجهولاً.نمط متكررمنذ عام 2022،

وسائل إعلام أمريكية تتحدث عن نمط متكرر لحوادث غامضة تطول علماء ومهندسين وباحثين مرتبطين بقطاعات شديدة الحساسية، خصوصاً الطاقة النووية، أبحاث الفضاء، الدفاع، والبرامج المتقدمة المرتبطة بالطيران والتكنولوجيا العسكرية. وبحلول أبريل 2026، كانت القائمة قد ضمت 10 إلى 11 اسماً على الأقل بين قتلى ومفقودين.

ومن أبرز هذه الأسماء:- الفيزيائي البرتغالي نونو لوريرو، الباحث في مركز علوم البلازما والاندماج في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وقد قُتل في ديسمبر 2025 خلال حادث إطلاق نار في جامعة براون. لاحقاً أعلن جهاز الـ«إف بي آي» في 29 أبريل 2026 أن الجريمة نفذها شخص واحد بدافع شخصي ولا علاقة لها بالإرهاب أو بمؤامرة أوسع.-

عالم الفلك كارل غريلمير من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا «كالتيتش»، الذي قتل في فبراير 2026 خلال عملية سرقة سيارة مسلحة.-

ستيفن غارسيا، الموظف في مجمع الأمن القومي في مدينة كانساس، والذي اختفى في أغسطس 2025 وما يزال مفقوداً.- مونيكا جاسينتو ريزا، المهندسة المتخصصة بالمعادن والمواد في مختبر الدفع النفاث «JPL»، والتي اختفت أثناء رحلة تنزه في يونيو 2025.-

الجنرال المتقاعد ويليام نيل ماكاسلاند، المرتبط ببرامج عسكرية حساسة في سلاح الجو الأمريكي، والذي اختفى مطلع 2026.

نظريات المؤامرة

ومع تزايد الحالات، بدأت الروايات تتداخل بين الوقائع الجنائية الحقيقية ونظريات المؤامرة، حيث إن بعض المنصات المحافظة والإعلام البديل ربطت الملف بأبحاث «الأجسام الطائرة المجهولة» UFOs، سيما أن بعض الأسماء الواردة في القائمة عملت سابقاً في برامج دفاعية أو فضائية حساسة. كما انتشرت تكهنات عن احتمال وجود نشاط استخباراتي أجنبي يستهدف العلماء الأمريكيين.

وفي 15 أبريل 2026، سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القضية، فقال للصحفيين: «ننظر في الأمر... آمل أن يكون مجرد صدفة»، مضيفاً أن القضية تنطوي على «أمور خطِرة للغاية». وفي اليوم التالي نقلت وسائل إعلام أن البيت الأبيض بدأ مراجعة شاملة للملفات بالتعاون مع الـ «إف بي آي».

وفي 17 أبريل 2026، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن الإدارة الأمريكية «تعمل مع جميع الوكالات المعنية ومكتب التحقيقات الفيدرالي لمراجعة كل القضايا بشكل شامل وتحديد أي قواسم مشتركة محتملة».

جهود

وأعلن مكتب الـ «إف بي آي» في أبريل 2026 أنه يقود جهوداً لفحص الروابط المحتملة بين هذه القضايا، في حين بدأت لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب دراسة الملف أيضاً. وقال رئيس اللجنة جيمس كومر إن العدد الكبير من الحوادث «يجعل من الصعب اعتبارها مجرد مصادفة».

في المقابل، حاولت مؤسسات علمية وأمنية أمريكية تهدئة التصعيد الإعلامي. وقالت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) في أواخر أبريل 2026 إنه «لا يوجد ما يشير إلى تهديد للأمن القومي مرتبط بموظفي الوكالة». كما صرحت الإدارة الوطنية للأمن النووي «NNSA» بأنها تتابع التقارير، لكن من دون تأكيد وجود نمط منظم.

تفسيرات جنائية صحيفة «وول ستريت جورنال» وصفت القضية بأنها مثال على انتقال نظريات منشورة في المنتديات الهامشية إلى الإعلام الوطني الأمريكي، مشيرة إلى أن كثيراً من الوفيات لها تفسيرات جنائية أو نفسية معروفة، وأن بعض العائلات رفضت ربط مقتل أو اختفاء أقاربها بنظريات المؤامرة.

ضغوط مالية 

وفي حالة ميليسا كاسياس تحديداً، انقسمت حتى العائلة نفسها بشأن تفسير ما حدث. بعض الأقارب تحدثوا عن ضغوط مالية ونفسية كانت تمر بها قبل اختفائها، بينما أصر آخرون على أن اختفاءها المفاجئ وترك مقتنياتها الشخصية والعثور عليها بعد عام تقريباً في منطقة سبق تفتيشها كلها تفاصيل تجعل الرواية الرسمية غير مقنعة بالكامل.

ورغم أن السلطات الأمريكية لم تعلن حتى الآن وجود أي دليل على «حملة اغتيالات منظمة» ضد العلماء الأمريكيين، فإن تراكم هذه القضايا خلال فترة قصيرة، وتشابه بعض تفاصيلها، إضافة إلى ارتباط عدد من الضحايا بمشاريع نووية أو عسكرية حساسة، جعل الملف يتحول من مجرد حوادث منفصلة إلى قضية رأي عام أمريكية مفتوحة على احتمالات أمنية وسياسية وحتى استخباراتية.