من أعمق المفارقات في تاريخ العلاقات الدولية أن تتحول «وحدة الأيديولوجيا» إلى ساحة للصراع على شرعية تمثلها، وأن تتمكن «البراغماتية الجيوسياسية» القائمة على التناقض الأيديولوجي من بناء مصالح مشتركة متينة.
حتى مطلع السبعينيات، لم تكن الصين تختلف عن الاتحاد السوفييتي في العلاقة مع الولايات المتحدة. كلاهما دولتان شيوعيتان لديهما النظرة ذاتها لزعيمة العالم الإمبريالي.
لكن ثمة مصادفات قادرة على تغيير مجرى التاريخ. ففي أبريل 1971، كان الفريقان الأمريكي والصيني يشاركان في بطولة العالم لتنس الطاولة في اليابان. كانت الأجواء مشحونة، والتعليمات الرسمية الموجهة للاعبي الصين تقضي بتجنب أي احتكاك بالأمريكيين.
حديث العالم
وهنا دخلت المصادفة على الخط، حيث تأخر لاعب أمريكي عن حافلة فريقه، فاستقل حافلة الفريق الصيني من دون أن ينتبه. وبعد صمت وتوتر داخل الحافلة، توجه لاعب صيني نحو اللاعب الأمريكي، صافحه وقدم له هدية تذكارية (لوحة حريرية صينية). وعند نزولهما من الحافلة، التقطت الصحافة العالمية صورتهما معاً، لتصبح الصورة حديث العالم.
التقط الزعيم الصيني «ماو تسي تونغ» تلك الإشارة وحوّلها إلى فرصة ذهبية من خلال موافقته فوراً على إصدار دعوة رسمية مفاجئة للفريق الأمريكي لزيارة الصين وخوض مباريات ودية هناك.
وفي 10 أبريل 1971، تخطى 9 لاعبين أمريكيين مع إدارييهم وعدد من الصحافيين الحدود من هونغ كونغ إلى الصين، ليكونوا أول وفد أمريكي رسمي يطأ الأراضي الصينية منذ الصعود الشيوعي للحكم عام 1949. ووصفت مجلة التايم الحدث حينها بـ «النقرة التي سُمعت حول العالم».
الدبلوماسية الناعمة
كان الفريق الصيني هو الأقوى عالمياً بمراحل، ولكي تنجح الدبلوماسية الشعبية، تعمد اللاعبون الصينيون «تخفيف اللعب» والسماح للأمريكيين بالفوز في بعض الأشواط تجنباً لإحراج ضيوفهم، ولترطيب الأجواء.
هذه الدبلوماسية الناعمة نجحت في تهيئة الرأي العام في كلا البلدين لتقبل فكرة تحوّل «العدو الأيديولوجي» إلى شريك محتمل، وأعطت الغطاء السياسي اللازم لتحركات استراتيجية، فحدث في اليوم نفسه الذي استقبل فيه الفريق الأمريكي أن أعلنت واشنطن تخفيف الحظر التجاري المفروض على الصين منذ 20 عاماً، في ذلك الوقت.
بعد ذلك بثلاثة أشهر فقط، (يوليو 1971)، سافر مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر، في رحلة سرية إلى بكين لترتيب لقاء القمة، وتُوجت تلك الجهود بزيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، إلى الصين عام 1972، وتوقيع «بيان شانغهاي»، وهو ما أدى لاحقاً إلى الاعتراف الدبلوماسي الكامل بين البلدين عام 1979.
منذ ذلك الوقت تُدرس «سياسة البينغ بونغ» في العلوم السياسية كأحد أنجح نماذج «الدبلوماسية الشعبية».
ذلك المسار الغريب برهن على أن التناقض الأيديولوجي الصارخ بين الرأسمالية الأمريكية والشيوعية الماوية نجح في إنتاج واحدة من أهم الشراكات السياسية والاقتصادية في العالم، بدءاً من «دبلوماسية البينغ بونغ» وزيارة نيكسون لبكين.
التناقض الإيديولوجي
لم يكن نيكسون أو ماو يتوهمان بشأن طبيعة النظام في الجانب الآخر؛ فالأمريكيون كانوا يمثلون «الرأسمالية الإمبريالية» في نظر بكين، والصين كانت «خطراً أحمر» في نظر واشنطن. لكن التناقض الأيديولوجي أسس لعلاقة صريحة قائمة على المصلحة المجردة، وكان كلاهما يرى في الاتحاد السوفييتي التهديد الأكبر. لذلك، أرادت الصين حماية نفسها من اجتياح سوفييتي محتمل، وأمريكا أرادت محاصرة موسكو وتعميق الانقسام في معسكرها.
التناقضذلك التقارب السياسي القائم على تحييد الأيديولوجيا مهد الطريق لاحقاً لإصلاحات دنغ شياو بينغ في أواخر السبعينيات، وكانت النتيجة نشوء أضخم شراكة اقتصادية وتكامل تجاري في التاريخ الحديث بين أكبر اقتصاد رأسمالي ودولة شيوعية.
الأيديولوجيا المشتركة
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد بدا راهناً أن التناقض الأيديولوجي بين الصين وروسيا نجح فيما فشلت في تحقيقه الأيديولوجيا المشتركة بين الصين والاتحاد السوفييتي الذي ورثت روسيا قوته العسكرية ومعظم مساحته ومقعده الدائم في مجلس الأمن.
عندما تأسست جمهورية الصين الشعبية عام 1949، بدا للعالم أن المعسكر الشيوعي بات كتلة خرسانية لا يمكن اختراقها يمتد من برلين إلى بكين. لكن «الأيديولوجيا المشتركة» تضمنت في داخلها بذور التعثر لسببين رئيسيين، أولهما صراع الشرعية الأيديولوجية، حيث إنه في الفكر الماركسي لا يمكن أن يكون هناك سوى «مركز توجيهي» واحد، وفي ذلك مقولة تعتبر أنه إذا وجد حزبان ماركسيان في بلد واحد فإن أحدهما -على الأقل- انتهازي.
بعد وفاة الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين، وخطاب خلفه نيكيتا خروتشوف الشهير عام 1956، والذي هاجم فيه عبادة الشخصية وطرح «التعايش السلمي» مع الرأسمالية، اعتبر قائد الثورة الصينية ومؤسسة جمهورية الصين الشعبية، ماو تسي تونغ أن السوفييت انحرفوا عن الماركسية الحقيقية وسلكوا طريق «المراجعة».
وبالمقابل، رأى السوفييت أن ماو يمارس مراهقة سياسية ومغامرة غير محسوبة. حينها تحوّلت الأيديولوجيا إلى أداة للمزايدة وإثبات من هو «الوريث الشرعي» لها.
شريك أصغر
أما السبب الثاني فتمثّل في تضارب الأولويات القومية، إذ إن الأيديولوجيا لم تلغِ الجغرافيا السياسية، حيث إن الصين كانت ترفض أن تعامل كـ«شريك أصغر» أو تابعة لموسكو. وبحلول عام 1969، وصل الصدام الأيديولوجي إلى ذروته في اشتباكات عسكرية حدودية مباشرة على نهر يوسوري (جزيرة زامباو)، ما أثبت أن المصالح القومية والحدودية تسحق الشعارات الرفاقية.
في السياسة الدولية، الأيديولوجيا المشتركة كثيراً ما تخلق صراعاً حول «من يمثّل الأيديولوجيا»، ما يحول الخلافات الصغيرة إلى انشقاقات عميقة، ومثال ذلك حركات الدين السياسي التي يكفر كل منها الآخر، في حين أنها تجلس على أرضية الدين نفسه وأحياناً المذهب نفسه. ولا يختلف الأمر في كثير من الأحيان في الأحزاب اليسارية.
لم تكن الأيديولوجيا المشتركة بالضرورة ضمانة للتحالف، بقدر ما كانت أحياناً غطاءً مؤقتاً لمصالح أعمق. ففي الخمسينيات بدا التحالف السوفييتي–الصيني كأنه زواج عقائدي طبيعي، لكن سرعان ما ظهرت التناقضات القومية والتنافس على قيادة المعسكر الشيوعي عالمياً، بينما رأى ماو تسي تونغ أن الثورة الصينية ليست تابعاً للكرملين. وتحولت الخلافات الفكرية، مع الوقت، إلى صراع نفوذ ومكانة دولية، حتى وصلت إلى اشتباكات عسكرية أواخر الستينيات.
التقارب الحضاري
يرى الأكاديمي الأمريكي صموئيل هنتنغتون، أن الدول المتقاربة حضارياً أو أيديولوجياً ليست بالضرورة أقل صراعاً، بل قد تكون المنافسة بينها أشد لأنها تتنافس على المجال ذاته والشرعية ذاتها. وهذا يفسر جزئياً لماذا كان الصراع السوفييتي–الصيني أكثر مرارة من علاقة كل منهما مع الغرب في بعض المراحل.
ويقدم ريمون آرون، المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي، فكرة قريبة حين اعتبر أن الأيديولوجيا في العلاقات الدولية غالباً ما تعمل كـ«لغة تبرير»، لا كمحرّك وحيد للسياسة، وأن الدول تستخدم العقيدة لتفسير سياساتها، لكنها في النهاية تتحرك وفق مصالحها الأمنية والقومية.
كذلك فإن جون ميرشايمر، أحد أبرز ممثلي مدرسة «الواقعية الهجومية»، يذهب إلى أن النظام الدولي يدفع القوى الكبرى للتنافس مهما تشابهت أنظمتها، لأن هاجس القوة والبقاء يتفوق على الاعتبارات الفكرية. ومن هذا المنظور، كان التصادم بين موسكو وبكين شبه حتمي لأن كليهما قوة قارية كبرى تطمح للهيمنة في محيطها.
ومن الجانب الصيني، طرح دنغ شياو بينغ، الذي قاد التحول الاقتصادي بعد مرحلة ماو، مقاربة عملية جداً حين تبنى سياسة «الإصلاح والانفتاح» أواخر السبعينيات، وأصبحت فلسفته الشهيرة القائلة «لا يهم لون القط، أبيض أم أسود، المهم أن يصطاد الفئران»، رمزاً لتحرير الاقتصاد من الجمود العقائدي، إذ إن الصين في عهده تعاملت مع الرأسمالية كأداة للنهوض، لا كعدو وجودي.