في مشهدٍ يختصر صراع السيادة العالمي، تقود واشنطن اليوم "غرفة عمليات اقتصادية" غير مسبوقة في قلب بكين، متسلحةً بوفد يضم نخبة من أقوى الرؤساء التنفيذيين في العالم، والذين يمثلون مجتمعين قوة سوقية عاتية تقارب 17 تريليون دولار.

لا تستهدف هذه الزيارة مجرد عقد صفقات تجارية عابرة، بل يسعى الرئيس دونالد ترمب من خلال هذا "الثقل المالي" إلى تحرير الأمن القومي الأمريكي من قبضة التنين الصيني، وانتزاع التزامات استراتيجية تؤمن مستقبل التكنولوجيا والصناعات الدفاعية في مواجهة احتكار بكين لسلاسل التوريد الحيوية.

ضغوط عقارية

يدخل الرئيس دونالد ترمب مفاوضاته المرتقبة مع الزعيم الصيني شي جين بينغ وهو متسلح بمزايا اقتصادية رقمية تعزز من موقفه التفاوضي؛ إذ يظهر الاقتصاد الأمريكي نمواً مستداماً مدفوعاً بطفرة الذكاء الاصطناعي وقوة الإنفاق الاستهلاكي، في مقابل اقتصاد صيني لا يزال يكافح لمواجهة التحديات العميقة الناجمة عن انهيار قطاع العقارات.

وتتجلى هذه الفجوة في سوق العمل، حيث تواصل الشركات الأمريكية التوظيف مع بقاء معدلات البطالة منخفضة، بينما تسبب الركود العقاري في الصين في تبخر ملايين الوظائف المرتبطة بقطاع البناء السكني. وعلى صعيد التجارة الخارجية، نجحت السياسات الأمريكية في تقليص العجز التجاري السلعي مع الصين ليصل إلى 202 مليار دولار، وهو أدنى مستوى له منذ عقدين، رغم انخفاض التبادل التجاري البيني بنسبة 25% نتيجة استراتيجيات فك الارتباط الاقتصادي.

سلاح الطاقة

وفي ملف الطاقة والتضخم، تبرز قوة الولايات المتحدة كمنتج عالمي؛ إذ بلغ إنتاج النفط الخام الأمريكي حوالي 13.57 مليون برميل يومياً في مايو 2026، مما يمنح واشنطن حصانة أكبر ضد تداعيات حرب إيران مقارنة بالصين التي تظل مستورداً رئيساً عرضة لصدمات الأسعار، خاصة مع بقاء خام برنت فوق حاجز الـ 100 دولار نتيجة اضطرابات مضيق هرمز.

ورغم أن الصين حققت فائضاً تجارياً عالمياً ضخماً قدره 1.1 تريليون دولار في عام 2025، إلا أنها تعاني من ضعف الإنفاق المحلي وبدء تعافي الأسعار من موجة انكماش مطولة، وهو ما يجعلها في وضع دفاعي أمام الحيوية الاستهلاكية الأمريكية التي لم تتوقف رغم عودة التضخم.

رفاهية الوقت

ومع ذلك، يتوجه ترمب إلى بكين تحت ضغوط محلية هائلة، حيث تراجع مؤشر معنويات المستهلك الأمريكي إلى مستوى قياسي بلغ 48.2 في مايو 2026، وهو أدنى مستوى تاريخي منذ الخمسينيات.

هذا الانهيار في المعنويات، المدفوع بارتفاع أسعار الوقود واستقرار توقعات التضخم عند 4.5%، يضعف من قدرة ترمب على المناورة السياسية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وفي المقابل، يمتلك شي جين بينغ رفاهية الوقت والسيطرة المطلقة، مما يسمح له بإعطاء الأولوية للاستراتيجية طويلة المدى حتى لو دفع مواطنوه ثمناً معيشياً في المدى القريب، طالما حافظ على نمو الصادرات الصينية التي قفزت بنسبة 21.8% في مطلع عام 2026 مدفوعة بقطاعات التكنولوجيا المتقدمة.

وفد الأباطرة

غرفة عمليات اقتصادية: وعلاوة على الزخم السياسي، يرافق الرئيس ترمب وفد رفيع المستوى يضم نخبة من أقوى الرؤساء التنفيذيين في العالم؛ حيث يأتي على رأس هذا الوفد تيم كوك، رئيس شركة "أبل" (بقيمة سوقية 4.3 تريليونات دولار)، وجينسن هوانغ، قائد ثورة الذكاء الاصطناعي في "إنفيديا"، وإيلون ماسك (بقيمة سوقية 1.6 تريليون دولار)، مما يعكس تركيزاً أمريكياً مطلقاً على حماية التفوق التكنولوجي.

ولا يقتصر الوفد على عمالقة التقنية، بل يمتد ليشمل أقطاب المال والدفاع والطاقة، مثل لاري فينك (بلاك روك)، وستيفن شفارتزمان (بلاكستون)، ودينا باول ماكورميك (جولدمان ساكس سابقاً)، وقادة الصناعة العسكرية كـ كيلي أورتبرغ (بوينج) وإتش. لورانس كولب (جنرال إلكتريك).

سلاسل التوريد

يلعب هؤلاء القادة دوراً محورياً كـ "غرفة عمليات اقتصادية" تهدف إلى تحويل النفوذ السياسي إلى صفقات تجارية ملموسة؛ حيث يتركز دورهم في الضغط لتأمين عقود توريد طويلة الأمد للمعادن النادرة، لاسيما لقطاعي الدفاع وصناعة الرقائق التي يقودها سانجاي ميهروترا (ميكرون) وكريستيانو أمون (كوالكوم).

وفي حين يقود قادة القطاع المصرفي مثل ديفيد سولومون (غولدمان ساكس) وجين فريزر (سيتي غروب) مفاوضات التسهيلات المالية، يسعى ممثلو قطاع الطاقة والخدمات مثل براين سايكس إلى التفاوض بشأن زيادة مبيعات الغاز الطبيعي المسال لتقليص العجز التجاري.

إن وجود هذا الوفد، الذي يضم أيضاً أسماء مثل رايان ماكينيرني (فيزا) ومايكل ميباخ (ماستركارد) وتشاك روبنز (سيسكو)، يحول الزيارة من مجرد قمة سياسية إلى طاولة مفاوضات عالمية تسعى لانتزاع تنازلات صينية مقابل ضمانات استثمارية أمريكية.

فخ "اليتريوم"

ويبرز ملف "المعادن النادرة" كأخطر أوراق الضغط الصينية في هذه القمة؛ ففي ظل حاجة واشنطن الماسة لإعادة بناء مخزونات العسكرية المستنزفة بسبب حرب إيران، تستغل بكين تبعية أمريكا لها في توفير 94% من احتياجات عنصر "اليتريوم" الحيوي للصناعات الدفاعية.

وقد أدت قيود التصدير الصينية إلى انفجار أسعار هذا المعدن بنسبة 1,500%، ليصل سعر الكيلوغرام إلى ما بين 120 و320 دولاراً. هذا الضغط يضع ترمب ووفده الاقتصادي أمام خيارات صعبة، حيث يحتاج البنتاغون لمئات الغرامات من هذه المعادن لكل صاروخ من طراز "توماهوك" أو "باتريوت"، مما يجعل تأمين سلاسل التوريد هدفاً رئيساً للزيارة يتجاوز مجرد التهديد بالتعريفات الجمركية.

 تعكس هذه القمة محاولة ترمب لسد الفجوة بين "أمريكا القوية اقتصادياً" و"الناخب القلق معيشياً"؛ فهو يسعى لانتزاع التزامات صينية بزيادة المشتريات وتخفيف القيود على المعادن، مقابل تقديم تنازلات محتملة في ملفات الرسوم أو التكنولوجيا.

وبينما تراهن بكين على تفعيل قوانين تمنع شركاتها من الامتثال للعقوبات الأمريكية، يدخل الطرفان في سباق مع الزمن؛ فترمب يبحث عن نتائج سريعة لترميم شعبيته قبل انتخابات نوفمبر، بينما يراهن شي على صمود نموذجه الاقتصادي الجديد أمام الضغوط الخارجية، مدركاً أن عامل الوقت يميل حالياً لصالح التنين الصيني.