شهد تاريخ العلاقات الأمريكية الصينية تقلبات كثيرة تراوحت بين الحذر والتقارب والحرب التجارية إلى المنافسة الشرسة لترسم منحنى بيانياً بين فتور ونشاط ألقى بتداعياته على المشهد العالمي باعتبار حجم الدولتين اللتين تمتلكان أكبر اقتصاديات العالم و التي يشد العالم أنظاره إليهما هذه الأيام عبر زيارة ترامب إلى بكين وما تحمله من ملامح «صفقة كبرى» يتمحور، بحسب رويترز، حول تبادل قائمة سلع غير حساسة تصل قيمتها إلى 30 مليار دولار لكل جانب، يتم خفض الرسوم الجمركية عنها لتعزيز التبادل التجاري المباشر فهل نحن أمام
في العام 1971 ارتفع منسوب الزيارات بين البلدين من خلال "دبلوماسية البينغ بونغ" عبر تنس الطاولة بين الصين وأمريكا بعد جمود في العلاقات بسبب الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والشرقي، أثمرت زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية إلى بكين في العام 1972، لمواجهة النفوذ السوفيتي وقطع الطريق على المعسكر الشرقي إلى أن أقيمت علاقات دبلوماسية كاملة في 1 يناير 1979، بين الولايات المتحدة والصين وفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية
انتشار وأرق
في بداية الألفية الجديدة شهد البلدان تقارباً اقتصادياً ملحوظاً، فبدعم أمريكي استطاعت الصين أن تنضم إلى منظمة التجارة في 11 ديسمبر 2001، ما فتح أسواق العالم أمامها وبدأ عصر نموها الاقتصادي المتسارع الذي أقلق أمريكا مع تزايد النشاط الصيني في بحر الصين الجنوبي لتطلق إدارة أوباما استراتيجية "التحول نحو آسيا" لتعزيز الوجود العسكري والدبلوماسي الأمريكي لاحتواء النفوذ الصيني
مواجهة تجارية
في العام 2018 ومع وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة، تحولت العلاقات إلى صراع علني. من خلال فرض ترمب رسوما جمركية كبيرة على الواردات الصينية تصل إلى 25% ووصف الصين بـ " المعتدي الاقتصادي"، معلناً بداية حرب تجارية واسعة النطاق، تصاعدت هذه المواجهة المعلنة إلى حرب السيادة الرقمية بلغت أوجها في العامين 2024 و 2025، حيث تصاعد الصراع حول الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، ففرضت أمريكا قيوداً صارمة على معدات التصنيع والرقائق المتقدمة. لترد الصين بحظر تصدير معادن نادرة حيوية مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون
بين الأمس واليوم
يراهن متابعون على أن زيارة الرئيس الأمريكي للصين محاولة لوقف تدهور العلاقات، خاصة أنها تأتي على وقع حرب رسوم وعقوبات متبادلة، وأزمة ثقة عميقة بما فيها الذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد وهو ما ذهبت إليه صحف صينية بأنها "فرصة ثمينة" للتقارب وإذابة الجليد بين القوتين، ومن خلال تحليل المشهد في الزيارتين يبدو أن ثمة فوارق حتى على صعيد البروتوكول ففي نوفمبر 2017 حظي ترمب في بكين باستقبال وصفته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" بأنه مميز وفاخر، إذ جمع الاستقبال بين البروتوكول الشكلي والمراهنة على التوافق مع الرئيس شي جين بينغ، دفع ذلك ترمب حينها لامتداح نظيره الصيني علنا بوصفه "رجلا مميزا للغاية" ووصف الصين بأنها "بلد عظيم" على ضوء الإعلان عن حزمة صفقات قدّرت بأكثر من 250 مليار دولار في مجالات الطاقة والطيران والزراعة.
بينما ذهبت حيفة تشاينا ديلي بأنها أقرب إلى محاولة جديدة "لتسيير سفينة العلاقات وسط الرياح والعواصف" وحذرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست من جهتها من التحول السريع في العلاقة من "حذرة" إلى "تنافس إستراتيجي صريح"، مذكرة بتجربة السنوات التسع الماضية التي أظهرت أن حرارة اللقاءات والصفقات الضخمة لم تمنع لاحقا من اندلاع حرب الرسوم ولا من انفجار الخلافات حول كوفيد-19، ولا من إغلاق القنصليات المتبادل، ولا حتى من تصاعد التوتر حول تايوان وتصدير التكنولوجيا.
ما بعد المجاملة
قبل اللقاء الأخير الذي جمع الزعيمين الأمريكي والصيني قرأ ملاحظون تصريحات ترامب اتجاه نظيره الصيني بأنها محاولة لإذابة الجليد في ظل التوتر مع إيران الذي زاد من الاحتقان بين البلدين لكن ترامب نشر ت على منصة "تروث سوشيال" أثناء توجهه إلى بكين أن "أول طلب" سيقدمه إلى شي خلال الزيارة سيكون مطالبة الزعيم الصيني بتعزيز وجود الشركات الأميركية في الصين. وقال: "سأطلب من الرئيس شي، وهو قائد ذو مكانة استثنائية، أن يفتح، الصين حتى تتمكن هذه الشركات اللامعة من إظهار قدراتها، والمساعدة في رفع جمهورية الصين الشعبية إلى مستوى أعلى" كما قال إن العلاقات الأميركية الصينية ستكون "علاقة عظيمة لعدة عقود مقبلة"، مضيفاً أن الاجتماع مع الرئيس الصيني شي جين بينج سيكون "إيجابياً". تعزز هذا التصريح باستقبال لافت لـ300 شاب يهتفون بعبارة "مرحبًا بالرئيس ترامب". فهل سينتقل البروتوكول والتصريح من مجاملة إلى تعاون فعلي يقرّب المسافة بين قوتين اقتصاديتين كبيرتين؟