مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كانت التوقعات الاقتصادية تبدو أقرب إلى "الحمّى الذهبية" بالنسبة لقطاع الضيافة والإيجارات قصيرة الأجل، فآلاف المالكين على منصة "إير بي إن بي" (Airbnb) استثمروا عشرات الآلاف من الدولارات لتجهيز منازلهم على أمل تحقيق أرباح استثنائية خلال البطولة الأكبر في تاريخ كأس العالم، التي ستضم 48 منتخباً و104 مباريات موزعة على 16 مدينة مضيفة، لكن قبل أسابيع فقط من الحدث، بدأت الصورة الاقتصادية تتغير بصورة لافتة، مع تباطؤ الحجوزات وتراجع الطلب في العديد من المدن الأميركية. 

استثمارات ضخمة… وعوائد مؤجلة

صحيفة "وول ستريت جورنال" كشفت أن بعض المؤجرين أنفقوا مبالغ ضخمة استعداداً للمونديال، بينهم مؤجرة في أتلانتا استثمرت نحو 60 ألف دولار في تحديث منزلها، على أمل تأجيره بأسعار مرتفعة خلال البطولة، لكن حتى الآن، لا تزال نسبة كبيرة من العقارات المعروضة دون حجوزات كافية. 

وتشير بيانات (AirDNA) إلى أن مدينة بوسطن تُعد الأفضل أداءً حتى الآن بنسبة إشغال تقارب 55%، بينما تواجه مدن أخرى مثل سياتل وفيلادلفيا وسان فرانسيسكو طلباً أقل بكثير من التوقعات. 

في المقابل، كانت التوقعات الاقتصادية أكثر تفاؤلاً قبل أشهر فقط، دراسة أعدتها (Deloitte) لصالح (Airbnb) قدرت أن يحقق المضيفون في المدن الأميركية المستضيفة نحو 156 مليون دولار من العوائد المباشرة، بمتوسط يصل إلى 4 آلاف دولار لكل مضيف خلال فترة البطولة، كما توقعت الدراسة أن يصل الإنفاق المرتبط بالإيجارات قصيرة الأجل إلى 865 مليون دولار داخل المدن الأميركية المضيفة. 

مونديال بـ13 مليار دولار

أشار تقرير لصحيفة "الغارديان" إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يتوقع إيرادات تصل إلى 13 مليار دولار خلال دورة 2022-2026، بزيادة 73% مقارنة بالدورة السابقة، حيث أن "فيفا" تراهن على أن نسخة 2026 ستكون الأعلى دخلاً في تاريخ البطولة.

وتشمل هذه الإيرادات أكثر من 4 مليارات دولار من حقوق البث، و3 مليارات من التذاكر والضيافة، إضافة إلى 2.7 مليار دولار من الرعايات التجارية. 

أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فتشير تقديرات مختلفة إلى أن البطولة كان يُفترض أن تضيف ما بين 30 و40 مليار دولار إلى اقتصادات أميركا الشمالية، مع توقع استقبال ما بين 5 و7 ملايين زائر دولي، وإنفاق يتجاوز 5 آلاف دولار للفرد الواحد خلال الرحلة. 

لكن هذه الأرقام الضخمة بدأت تصطدم بواقع اقتصادي أكثر تعقيداً.

لماذا بدأ الطلب يتراجع؟

رغم الزخم الإعلامي الهائل، فإن عدة عوامل تفسر تباطؤ الحجوزات وانخفاض الحماسة مقارنة بالتوقعات الأولية.

أول هذه العوامل هو الارتفاع الحاد في أسعار التذاكر والإقامة والنقل، فقد كشفت تقارير إعلامية  أن أسعار بعض مباريات المنتخب الأميركي تجاوزت ألف دولار للتذكرة الواحدة، بينما وصلت أسعار نهائي البطولة في السوق الثانوية إلى نحو 13 ألف دولار للفرد، مع وجود عروض مبالغ فيها وصلت إلى ملايين الدولارات للحزم الفاخرة. 

هذا الارتفاع الضخم خلق فجوة بين الحلم الجماهيري والقدرة الشرائية، خصوصاً بالنسبة للجماهير القادمة من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.

العامل الثاني يرتبط بقيود السفر والتأشيرات، فقد أشار اتحاد الفنادق الأميركي إلى أن تأخر إجراءات التأشيرات وتشدد سياسات الهجرة الأميركية أثرا بشكل مباشر على حجوزات الجماهير الدولية، وهي الفئة الأكثر إنفاقاً خلال البطولات الكبرى. 

كما لعب ارتفاع أسعار الطيران وقوة الدولار الأميركي دوراً إضافياً في تقليص الطلب الخارجي، ما دفع كثيراً من المشجعين إلى تأجيل قرارات السفر أو الاكتفاء بمتابعة البطولة عبر الشاشات.

فقاعة أسعار بدأت تنكمش

في بداية التحضيرات، رفع كثير من المضيفين أسعار الإيجارات إلى مستويات قياسية، بناءً على توقعات بحدوث نقص حاد في أماكن الإقامة، وشهدت بعض المدن بالفعل قفزات كبيرة في أسعار الليلة الواحدة، خصوصاً في ميامي وبوسطن ونيويورك. 

لكن مع تباطؤ الحجوزات، بدأت السوق تدخل مرحلة تصحيح تدريجي، حيث اضطر كثير من المضيفين إلى خفض الأسعار أو تقديم عروض مرنة لجذب الحجوزات المتأخرة، في حين ما زال آخرون يراهنون على اندفاع اللحظة الأخيرة مع اقتراب المباريات الحاسمة.

ويرى محللون اقتصاديون أن ما يحدث حالياً يعكس مشكلة متكررة في الأحداث الرياضية الكبرى، حيث تبالغ التوقعات الأولية في تقدير العوائد الاقتصادية الفعلية.

وتشير تقديرات مستقلة إلى أن المنافع الاقتصادية الحقيقية للبطولات الكبرى غالباً ما تكون أقل بـ30% إلى 40% من الأرقام الترويجية الأولية. 

هل ينجح الرهان في النهاية؟

ورغم المؤشرات الحالية، لا يزال قطاع الضيافة يراهن على عامل الوقت.

شركات الإيجارات قصيرة الأجل تؤكد أن جزءاً كبيراً من جماهير كرة القدم العالمية يحجز في الأسابيع الأخيرة، خاصة بعد معرفة المنتخبات المتأهلة للأدوار الإقصائية.

كما أن مدناً مثل ميامي وأتلانتا ما زالت تسجل طلباً قوياً نسبياً مقارنة بمدن أخرى، بفضل سهولة الوصول الجوي والكثافة السكانية والسياحية المرتفعة. 

لكن الواضح حتى الآن أن كأس العالم 2026، رغم ضخامته التاريخية، قد لا يحقق "الطفرة السهلة" التي حلم بها كثير من المضيفين وأصحاب العقارات، فالاقتصاد الرياضي العالمي أصبح أكثر حساسية للأسعار، وأكثر تأثراً بعوامل السياسة والسفر والتضخم، ما يجعل النجاح الاقتصادي لأي بطولة كبرى أكثر تعقيداً من مجرد بيع الملاعب والتذاكر.