من مراكز الابتكار العالمية إلى غرف العمليات السرية في واشنطن، تبدأ الولايات المتحدة أضخم عملية "استحواذ سيادي" في تاريخ التكنولوجيا العسكرية؛ حيث لم يعد التفوق القتالي يُقاس بالترسانة التقليدية، بل بحجم البيانات والقدرة على حجز مقعد في "جيش الذكاء الاصطناعي أولاً" بتمويل يتجاوز 13 مليار دولار.

هذا التدفق المالي الضخم لا يؤمن أسلحة المستقبل فحسب، بل يضع تحالفاً من شركات تقنية عابرة للقارات أمام مسؤولية استراتيجية تتجاوز حدود الجنسية والربحية لتلامس ركائز الأمن الدولي، في موازنة دقيقة بين الابتكار العالمي وصرامة المعايير العسكرية.

 7 شركات

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يوم الجمعة عن إبرام اتفاقية استراتيجية مع سبع شركات تكنولوجيا كبرى لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في شبكاتها السرية.

وتشمل الشركات المشاركة في الصفقة: شركة "سبيس إكس"  المملوكة لإيلون ماسك، وشركة "أوبن إيه آي" المنتجة لـ "شات جي بي تي"، إلى جانب جوجل، ومايكروسوفت، و كذلك إنفيديا، وأمازون ويب سيرفيسز.

وشملت الشراكة ايضا الاتفاق مع شركة "ريفليكشن"   حيث يمتلك البنتاغون بالفعل عقوداً حالية للذكاء الاصطناعي مع عدة شركات، بما في ذلك "بالانتير" (Palantir) و"أوبن إيه آي".

13.4 مليار

وعلى صعيد الأرقام والميزانيات، كشفت بيانات ميزانية الدفاع للسنة المالية 2026 عن تخصيص 13.4 مليار دولار حصرياً لأنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة، وهو أول بند ميزانية مستقل لهذه التقنيات في تاريخ الوزارة. وتتوزع هذه الميزانية .

وفقاً لتقاريرالبنتاغون تم  تخصيص الموارد لتشمل 9.4 مليار دولار للطائرات بدون طيار، و1.7 مليار دولار للأنظمة البحرية المستقلة، و1.2 مليار دولار لبرمجيات التكامل عبر النطاقات.

كما أشار البنتاغون في إعلانه الرسمي إلى نجاح منصة (GenAI.mil) التي يستخدمها حالياً 1.3 مليون موظف في وزارة الدفاع. وبالتوازي مع ذلك، فعلت الإدارة "قانون المليار الجميل" (One Big Beautiful Bill)، الذي يخصص مليار دولار على مدى أربع سنوات لتعزيز العمليات السيبرانية الهجومية، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

اكتشاف الثغرات

في المقابل، برزت شركة "أنثروبيك" (Anthropic) كأكبر الخاسرين في هذا الاستحواذ الملياري بعد تصنيفها كـ "خطر على سلسلة التوريد" واستبعادها من العقود الحكومية بقرار من الرئيس ترامب، بسبب إصرار الشركة على حواجز حماية معينة تتعلق بالسلامة.

ويمثل هذا الاستبعاد تهديداً مالياً كبيراً للشركة التي تقدر تقارير الإيرادات المتوقعة لهذا العام بنحو 14 مليار دولار، يأتي معظمها من قطاعات الأعمال والوكالات الحكومية.

وتواجه الشركة الآن تحدياً في الحفاظ على قاعدة عملائها التي تضم أكثر من 500 عميل يدفع كل منهم ما لا يقل عن مليون دولار سنوياً بحسب بيانات السوق، في ظل استمرار المعارك القانونية ضد تصنيفها الأمني الذي قد يعزلها عن سوق الدفاع الأمريكي الضخم.

ذكر موقع "أكسيوس"، ​الأحد، أن وكالة الأمن القومي الأميركية تستخدم ‌أداة ​الذكاء الاصطناعي (ميثوس بريفيو) التابعة لشركة (أنثروبيك) على الرغم من تصنيف وزارة الدفاع (البنتاغون) الشركة رسمياً على أنها تشكل خطراً على سلاسل التوريد.

ونقل "أكسيوس" عن ⁠مصادر قولها إن ميثوس بريفيو يُستخدم على نطاق أوسع داخل الوزارة. وناقشت إدارة الرئيس ‌الأميركي دونالد ترامب والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك الأسبوع الماضي ​التعاون للمرة ‌الأولى ​منذ الخلاف الذي نشب في ⁠وقت سابق هذا العام بين البنتاغون وشركة الذكاء الاصطناعي عن كيفية استخدام نماذج ​الشركة.

وتأتي ⁠المحادثات ⁠وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي ميثوس، أحدث نماذج الشركة الناشئة في مجال ⁠الذكاء الاصطناعي، إلى زيادة الهجمات الإلكترونية.

وقالت أنثروبيك سابقا إن هذا النموذج هو "الأقدر حتى الآن على البرمجة ومهام مساعدي الذكاء الاصطناعي"، في إشارة إلى قدرة النموذج ‌على العمل بصورة مستقلة.

وذكر خبراء أن قدراته الكبيرة ​على البرمجة تمكن أن تمنحه قدرة غير مسبوقة على تحديد نقاط الضعف في الأمن الإلكتروني وابتكار طرق لاستغلالها.

ورغم الصراع القانوني، شهدت الأيام الماضية تحركاً استراتيجياً جديداً مع كشف "أنثروبيك" عن أداة "ميثوس" (Mythos)، التي أثارت اهتمام البيت الأبيض لقدرتها الفائقة على اكتشاف الثغرات السيبرانية وإصلاحها، رغم أنها قد توفر أيضاً خارطة طريق للمخترقين لمهاجمة الحكومات.

وقد اجتمع الرئيس التنفيذي للشركة "داريو أمودي" مع كبيرة موظفي البيت الأبيض "سوزي وايلز" لمناقشة إمكانية الوصول إلى هذه التقنية، مما يعكس رغبة الحكومة في "تأمين" شبكاتها الوطنية أمام القدرات الهجومية المتزايدة، في مساومة تقنية قد تعيد رسم علاقة "رأس المال المخاطر" بالمؤسسة العسكرية الأمريكية.