وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداً جديداً بإقالة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) جيروم باول، ‏وذلك في حال عدم تنحيه عن منصبه في المجلس عند انتهاء ولايته كرئيس له في 15 مايو المقبل.‏

ودعا موقع "بوليتيكو" في تقريره لتخيل كيف قد تتكشف الأمور إذا قرر ترامب بالفعل إقالة باول: قد تسير المراحل الأولى بنفس ‏الطريقة التي جرت بها محاولة ترامب لإقالة عضو آخر في مجلس إدارة الاحتياطي الاتحادي، وهي ليزا كوك.‏

وفي تلك الحالة، سمحت المحكمة العليا لكوك بالبقاء في منصبها بينما يتداول القضاة ما إذا كان لدى ترامب أسباب لإقالتها "لسبب ‏موجب".‏

ويزعم الرئيس أنها ارتكبت احتيالاً عقارياً، لكن هذا الادعاء الأساسي لم يُطرح أمام القضاء بعد.‏

وقد يصدر الحكم في تلك القضية في أي يوم، لكن أسئلة القضاة ألمحت إلى أنهم سيعطون الأولوية لاستقلالية الاحتياطي الاتحادي. ‏وسيحتاج ترامب إلى حكم لصالحه لضمان نجاح محاولته لإقالة باول.‏

ووواصل الموقع في تقريره أنه بينما تتكشف العملية القانونية، هناك لاعبون آخرون في هذه المواجهة، بما في ذلك السناتور توم تيليس ‏من ولاية نورث كارولاينا، الذي تعهد بعرقلة مرشحي ترامب لمجلس الاحتياطي الاتحادي طالما استمرت وزارة العدل في تحقيقها ‏بشأن المجلس، وهو التحقيق الذي يرى تيليس أنه مُسيس.‏

ومن المؤكد تقريباً أن أية محاولة لإقالة باول لن تغير رأيه، وتدعو قائمة متزايدة من الجمهوريين الآن وزارة العدل إلى إنهاء تحقيقها.‏

ثم هناك باول نفسه، الذي تشير التقديرات إلى أنه أصبح أقل ميلاً لترك الاحتياطي الاتحادي مع اشتداد التهديدات القانونية التي يوجهها ‏ترامب ضده. ‏

وقبل أن تلاحق وزارة العدل البنك المركزي، كان من المرجح أن يغادر باول منصبه عند انتهاء فترة رئاسته. أما الآن، فيُقال إنه أكثر ‏انفتاحاً على البقاء كعضو في مجلس الإدارة بعد ذلك، حيث لا تنتهي فترة عضويته في المجلس حتى عام 2028.‏

إذن، هل من المرجح أن يؤدي التهديد بإقالة باول -أو تنفيذ هذا التهديد فعلياً- إلى حصول ترامب على ما يريد؟ على العكس من ذلك، ‏يبدو أن ترامب يحاول إيجاد طريقة لتحويل انتصار سهل بشأن الاحتياطي الاتحادي إلى خسارة طويلة ومضنية.‏

ويتمتع مرشحه لخلافة باول، كيفن وارش، في الوقت الحالي بدعم واسع داخل الكتلة الجمهورية في مجلس الشيوخ، وقد يكون على ‏الطريق الصحيح للمصادقة عليه في الوقت المناسب لتولي منصبه عند انتهاء ولاية باول على رأس البنك المركزي.‏

بدلاً من ذلك، يكتنف الغموض ترشيح وارش بسبب تحقيق وزارة العدل في تجديدات المقر الرئيسي للاحتياطي الاتحادي، حيث ‏اعترفت الحكومة نفسها بأنها لا تملك أدلة على ارتكاب جريمة. ويوقف السناتور تيليس مرشحي الاحتياطي الاتحادي لأنه يخشى أن ‏يكون التحقيق محاولة لتقويض استقلالية البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة كما يراها مناسبة.‏

ولا يتراجع الرئيس عن موقفه؛ ففي مقابلة مع شبكة "فوكس بيزنس" أُذيعت صباح الأربعاء، دعم تحقيق وزارة العدل وقال إنه إذا لم ‏يغادر باول "في الوقت المحدد"، فسيقيله، مما يبدد أية آمال في أن تكون جلسة الاستماع للمصادقة على وارش في مجلس الشيوخ، ‏والمقررة يوم الثلاثاء، علامة على أن الأمور ستسير بسلاسة.‏

وربما يكون السيناريو الأفضل لترامب هو ألا يقف باول في طريقه بعد الآن، وهو أمر يقع بالفعل ضمن سلطة الرئيس لتحقيقه في ‏غضون أسابيع.‏

إلا أن التمسك بهذا المسار يجعل من المرجح أن يبقى باول في منصبه بعد شهر مايو، ويؤخر تنصيب الرجل الذي اختاره ترامب. ‏ويفتح ذلك الباب أمام نقاش قانوني شائك حول ما إذا كان ينبغي لباول الاستمرار كرئيس مؤقت، أو ما إذا كان -كما أشار شخص ‏مقرب من البيت الأبيض- يجب السماح للرئيس بالاختيار من بين أعضاء مجلس إدارة الاحتياطي الاتحادي.‏

ولا يعتقد العديد من الجمهوريين في الكونغرس أن هذا الموقف برمته يستحق العناء. وقال زعيم الأغلبية جون ثون للصحفيين الأربعاء: ‏‏"من مصلحة الجميع إنهاء التحقيق‎"‎‏.‏

وقال رئيس لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب فرينش هيل (جمهوري عن ولاية أركنساس) في تصريحات صحفية: "أحث الإدارة ‏ببساطة على تجاوز تحقيق وزارة العدل بشأن السيد باول لتسهيل المصادقة السريعة على مرشح الرئيس لمنصب رئيس المجلس.. ‏ويبدو لي أن القيام بخلاف ذلك سيؤخر تنفيذ السياسة الاقتصادية للرئيس‎"‎‏.‏

ودافع الشخص المقرب من البيت الأبيض بأن المبدأ هو ما يحرك ترامب. وقال هذا الشخص: "إنه يريد معرفة ما يخفيه الاحتياطي ‏الاتحادي" بشأن مشروع التجديد. وأضاف: "شكوكي هي أنه لم تكن هناك مخالفات. ولكن هناك مبدأ هنا أكبر من جاي باول. إذا ‏تركتهم يفلتون" من رفض تسليم المعلومات، "فقد تحذو وكالات أخرى حذوهم‎"‎‏.‏

لكن الجزء الصعب بالنسبة لترامب هو أن الأطراف في كل من القضاء والكونجرس لا يبدو أنهم مقتنعون بهذه الحجة، وهو سبب آخر ‏يجعل من غير الواضح كيف ستنتهي هذه الأزمة بشكل جيد. فقد قال العديد من الجمهوريين في مجلس الشيوخ، بمن فيهم رئيس اللجنة ‏المصرفية تيم سكوت (جمهوري عن ولاية ساوث كارولاينا)، إن باول لا يبدو أنه ارتكب جريمة في شهادته أمام اللجنة بالكونجرس، ‏وهي التي يُزعم أنها النقطة المركزية في التحقيق.‏

وحكم قاضٍ اتحادي بأن مذكرات الاستدعاء التي وجهتها وزارة العدل للاحتياطي الاتحادي كانت "مجرد ذريعة" للضغط على ‏المؤسسة بشأن أسعار الفائدة، وقام بإلغائها.‏

ومع ذلك، تستمر فصول القصة، وقالت المدعية العامة الأمريكية لمقاطعة كولومبيا جانين بيرو، التي يقود مكتبها التحقيق، إنها ‏ستستأنف الحكم، وقد ظهر مسؤولون من مكتبها بشكل مفاجئ يوم الثلاثاء لمحاولة زيارة الموقع.‏

وقالت بيرو في بيان عبر البريد الإلكتروني حول تلك الزيارة للمقر: "أي مشروع بناء يتجاوز تكاليفه ما يقرب من 80 بالمئة من ‏الميزانية الأصلية للبناء يستحق مراجعة جادة". ‏

وكان ترامب نفسه قد أجرى جولة في أعمال التجديد في واقعة لا تُنسى حيث تحدث إلى الصحافة إلى جانب باول وهما يرتديان ‏خوذات البناء.‏

وقد يتساءل أي خبير استراتيجي سياسي، أو مستشار اقتصادي محايد، عما إذا كانت التجاوزات المحبطة في تكاليف مشروع بناء ‏تستحق تعريض أحد أهم التعيينات التي يمتلك ترامب فرصة القيام بها في هذه المرحلة من ولايته للخطر، وسط لحظة بالغة الدقة يمر ‏بها الاقتصاد العالمي.‏

ويبدو أن بعض أعضاء الإدارة يأملون في أن يتبدد كل هذا الجدل بطريقة ما. فيوم الأربعاء، قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إنه ‏‏"متفائل للغاية" بأن هذا سيكون "سؤالاً غير ذي صلة" بحلول الوقت الذي تنتهي فيه ولاية باول. وقال بيسنت خلال مؤتمر صحفي: ‏‏"دعونا نصل إلى جلسات الاستماع ونرى أين نحن حينها‎"‎‏.‏

وصرح مسؤول في البيت الأبيض بنفس المضمون قائلاً: "نظل واثقين ونركز على المصادقة على وارش، الأمر الذي من شأنه تجنب ‏هذا النقاش برمته". لكن الأمور تتجه بسرعة نحو نقطة يصبح فيها النقاش أمراً لا مفر منه.‏