تشهد الساحة السياسية الأمريكية تصاعداً ملحوظاً في التوتر بين الرئيس دونالد ترامب والقوى الديمقراطية بعد خطاب حالة الاتحاد الأخير، حيث لم يعد الحدث مجرد تقليد دستوري سنوي، بل منصة لإعادة رسم خطوط الصراع السياسي داخل واشنطن.داخل القاعة، ظهر الانقسام بشكل ملموس: مقاطعات رمزية، انسحابات، احتجاجات، وصمت متعمد من الديمقراطيين، في حين احتفى جناح الجمهوريين الموالي لترامب بما وصفه بـ«استعادة الهيبة الاقتصادية». و

يرى خبراء الشؤون الأمريكية أن هذه المشاهد ليست أحداثاً ظرفية، بل مؤشر على استقطاب أعمق بين الحزبين يمتد إلى القيم والهوية السياسية، ويعيد تعريف أولويات التحالفات الداخلية والخارجية.ويشيرون إلى أن هذا التصعيد يعكس إعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي، إذ امتد النزاع من السجالات الإعلامية إلى التحالفات داخل الكونغرس، ومحاولات كل طرف فرض رؤيته في الملفات التشريعية والرقابية.

أداة ضغط

تركز استراتيجية ترامب على تعبئة القاعدة الشعبية وتحويل الخطاب الرئاسي إلى أداة ضغط سياسية، بينما يحرص الديمقراطيون على تعزيز الرقابة عبر لجان التحقيق ومراقبة أولويات الإدارة، ما يعكس صراعاً مباشراً على السيطرة على السلطة التشريعية والرقابية.

ويؤكد المحللون أن استمرار هذا المناخ قد يؤدي إلى شلل تشريعي جزئي أو مشهد سياسي متوتر، لا سيما في الملفات الاقتصادية والأمن الداخلي والهجرة، مع تأثير مباشر على مسار الانتخابات المقبلة في الولايات المفصلية.وفي ظل هذه الديناميات، تتحول أي خطوة سياسية إلى اختبار للتوازنات الداخلية بين الحزبين، ليصبح كل خطاب أو قرار أداة في إعادة تعريف قواعد التفاوض وصناعة القرار السياسي في مرحلة حرجة من الإدارة الثانية لترامب.

فجوة بين سرديتين

في هذا السياق، يوضح د. حمدي أعمر حداد، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن خطاب حالة الاتحاد الأخير للرئيس دونالد ترامب أعاد رسم خطوط التماس بين البيت الأبيض والديمقراطيين، ليس كمناسبة دستورية سنوية فحسب، بل كلحظة كاشفة لتحول أعمق في قواعد الاشتباك السياسي داخل واشنطن.

مؤكداً أن التوتر الذي أعقب الخطاب لا يندرج ضمن ردود الفعل الحزبية الاعتيادية، بل يعكس اتساع الفجوة بين سرديتين متناقضتين حول شرعية السياسات وطبيعة الدولة ومستقبل النظام الأمريكي.ويرى حداد أن خطاب هذه السنة تميز بحدة غير مسبوقة، عبر مقاطعات رمزية وردود فعل ديمقراطية سريعة شككت في أرقام وعدود ومرتكزات السياسات الرئاسية، ما يشير إلى انتقال الصراع من التنافس البرامجي إلى التشكيك المتبادل في النوايا والهيئات والمؤسسات.

ويضيف أن هذا التصاعد يعكس مرحلة استقطاب أعمق، تتجاوز الانقسام الحزبي التقليدي إلى انقسام ثقافي وقيمي داخل المجتمع، حيث ترى قاعدة ترامب في المواجهة دليلاً على الحزم واستعادة هيبة السلطة، بينما يعتبر الديمقراطيون الخطاب تكريساً لنزعة أحادية قد تهمش دور الكونغرس وتضعف آليات الرقابة والتوازن.

ويحذر الباحث من أن استمرار هذا المناخ قد يؤدي إلى شلل تشريعي أوسع في ملفات الموازنة والهجرة والسياسة الخارجية، إذ يُقرأ أي تنازل كضعف، وأي تسوية كخيانة للوعود الانتخابية، ما يضع النظام أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على حيوية التنافس الديمقراطي وتجنب الانسداد المؤسسي.

ويخلص د. حداد إلى أن ما أعقب خطاب حالة الاتحاد لا يمثل خلافاً ظرفياً، بل مؤشر على إعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي في واشنطن، وقد تؤثر هذه الديناميات ليس فقط في مسار الانتخابات المقبلة، بل في طبيعة الحكم نفسه، حيث تصبح السياسة ساحة صراع دائم أكثر من كونها فضاء لإنتاج التوافقات الضرورية لاستقرار النظام الديمقراطي

صراع الشرعية والهوية

وترى د. سمر الخمليشي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، أن تصاعد الخلاف بين الديمقراطيين والرئيس دونالد ترامب عقب خطاب حالة الاتحاد يعكس انتقالاً واضحاً في طبيعة التنافس السياسي داخل واشنطن، من خلافات براغماتية تقليدية حول السياسات إلى صراع رمزي أعمق يتعلق بالشرعية والهوية السياسية.

وتوضح أن مشاهد المقاطعة والاحتجاج العلني داخل الكونغرس لم تعد مجرد أدوات ضغط حزبي معتادة، بل أصبحت تعبيراً عن مناخ استقطاب يتجاوز حدود الأعراف المؤسسية الراسخة،

ويعكس تحولاً في أسلوب إدارة الخلاف بين الحزبين.وتضيف أنه وبدل أن يكون خطاب حالة الاتحاد مساحة لعرض الأولويات التنفيذية ضمن إطار من الرمزية الوطنية الجامعة، تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة تُستثمر انتخابياً وإعلامياً.

وتشير الخمليشي إلى أن هذا التطور يعني أن قواعد الاشتباك السياسي في واشنطن تشهد إعادة صياغة فعلية، حيث توظف اللحظات الدستورية الكبرى كمنصات تعبئة مبكرة استعداداً للاستحقاقات المقبلة.ومع اقتراب الانتخابات، يرجح أن يتعمق هذا الاستقطاب، ما قد ينعكس على وتيرة صناعة القرار، ويجعل بناء التوافقات العابرة للحزبين أكثر تعقيداً، سواء في الملفات الداخلية الحساسة كالهجرة والاقتصاد، أو في قضايا السياسة الخارجية.

وتخلص إلى أن ما يجري لا يمثل مجرد تصعيد عابر، بل مؤشر على تحول هيكلي في ديناميكيات العمل السياسي الأمريكي، حيث تصبح إدارة الخلاف جزءاً من معركة أوسع على تعريف السلطة والهوية والدور القيادي للولايات المتحدة في الداخل والخارج.