مع تزايد التوترات الجيوسياسية العالمية وتباين المصالح بين القوى الكبرى، بدا الخلاف الأخير بين فرنسا والولايات المتحدة أكثر من مجرد احتكاك بروتوكولي عابر بعد تخلف السفير الأمريكي عن حضور الاستدعاء الفرنسي فقد شهدت العلاقات بين الحليفين في حلف شمال الأطلسي (ناتو) تناقضات في المواقف تجاه عدة ملفات إقليمية ودولية أثرت في عمق التنسيق الاستراتيجي، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان هذا الخلاف مؤشراً على تباعد أعمق أم مجرد اختلاف تكتيكي مؤقت.
أفادت وزارة الخارجية الفرنسية بأن السفير الأمريكي في باريس تشارلز كوشنر لم يحضر مساء الاثنين إلى الوزارة التي استدعته عقب تصريحات إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن وفاة طالب يميني متطرف، وسبب الخلاف أن السفارة الأمريكية أعادت نشر منشور لمنظمتها لمكافحة الإرهاب، يصف جريمة قتل ناشط يميني متطرف بـ«عنف المتطرفين اليساريين»، ما اعتبرته باريس تسييساً وتهجماً. لكن الاتصال الهاتفي الذي جرى بين السفير الأمريكي لدى فرنسا تشارلز كوشنر ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أسهم في إزالة حالة الالتباس التي طرأت على بعض المواقف، وفتح الباب أمام مواصلة الحوار والتنسيق بشأن عدد من الملفات المشتركة.
ولم يكن منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في دورته لعام 2026 مجرد تجمع للنخب المالية والسياسية كالعادة، بل صدام علني بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ببراغماتيته التي لا تعترف بالبروتوكول، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يحاول إنقاذ ما تبقى من «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي.
أسباب الخلاف - بحسب خبراء في العلاقات الدولية - متعددة وجذرية، أهمها اختلاف المقاربات تجاه الأزمة الأوكرانية، حيث تسعى واشنطن إلى تكتيكات ردع صارمة تشمل دعماً عسكرياً أطول أمداً، بينما تدفع باريس نحو مسارات تفاوضية أكثر ارتباطاً بآليات الاتحاد الأوروبيإضافة الى خلافات حول قضايا الشرق الأوسط وغرينلاند.
استراتيجيات
ويقول محللون إن طبيعة الخلاف ليست تصادماً مفتوحاً، بل هي في جوهرها تباين في الاستراتيجيات والأولويات، ما يجعل العلاقات أكثر تعقيداً في ملفات عدة.. فالحلف لا يزال قائماً على قواعد مشتركة، كما أن القنوات الدبلوماسية تبقى حيوية لاحتواء التوتر وتجنّب تفاقمه.
في المحصلة، يبدو أن الخلاف الحالي أعمق من مجرد احتكاك بروتوكولي، لكنه لا يصل إلى حد صدام سياسي مفتوح، إذ يبقى التعاون الأمني والاقتصادي بين باريس وواشنطن أحد أركان الاستقرار في النظام الدولي.
صراع حقيقي
في تقييمه للتوترات الأخيرة بين فرنسا والولايات المتحدة، يشير خبير العلاقات الدولية د. طارق البرديسي إلى أن ما يحدث ليس مجرد خلاف بروتوكولي عابر أو زلة لسان دبلوماسية مؤقتة، بل احتكاك استراتيجي متحفظ يعكس صراعاً حقيقياً على قيادة القرار الغربي ودور أوروبا في ملفات عالمية حاسمة.
ويشرح البرديسي أن باريس تسعى للحصول على دور مستقل وصوت أوروبي مؤثر داخل التحالفات الغربية، لا يمكن أن يمشي بسهولة في ظل سياسة واشنطن التي تميل إلى أن يكون الحلفاء منضبطين ومنسجمين مع رؤيتها، وليس شركاء مزعجين يطرحون أجنداتهم الخاصة.
ويضيف أن التصعيد الحالي، بما في ذلك التصريحات الإعلامية والرسائل الدبلوماسية المشفرة، ليس إعلان قطيعة، بل تحذير مبكر ورسائل قوة تحدد حدود النفوذ بين الطرفين.
ويشير الخبير إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال لم تُدر الخلافات بعقل بارد، هو تحول التباعد الاستراتيجي إلى صدام سياسي ناعم، أي أن الخلاف لن يصل إلى مستوى الصدام السياسي الكلاسيكي أو مواجهة مباشرة، لكنه سيخلق ضجيجاً أقل من الحرب، وأثراً أعمق وأكثر استدامة على سياسات الناتو والعلاقات الثنائية.
ويخلص البرديسي إلى أن جوهر المشهد يتمحور حول من يقود القرار الغربي ومن يكتفي بالتصفيق، مؤكداً أن الخلاف ليس شكلياً أو بروتوكولياً، بل صراع استراتيجي على النفوذ والهيمنة داخل التحالفات الغربية.
خلافات متراكمة
بينما يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، المغرب، د. محمد عطيف أن التصعيد الدبلوماسي الأخير بين فرنسا والولايات المتحدة، على خلفية حادثة ليون في فبراير 2026، لا يمكن اختزاله في كونه خلافاً بروتوكولياً عابراً، رغم أن بدايته بدت كذلك على السطح.
ويشير إلى أن البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية وسفارة واشنطن في باريس منحت الحادثة بعداً سياسياً وأمنياً يتجاوز إطارها الداخلي الفرنسي، ما فُهم في باريس على أنه اقتراب من حدود التدخل في الشأن الداخلي.
ويضيف أن جوهر الخلاف يتعلق بطريقة تأطير الحادثة سياسياً وخطابياً؛ فالولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب تصنف العنف اليساري كتهديد أمني رئيسي، بينما تعتمد فرنسا مقاربة شاملة تُعامل مختلف أشكال التطرف ضمن إطار واحد دون انتقائية أيديولوجية. ويعكس هذا التباين اختلافًا أعمق في ترتيب الأولويات وتوظيف الخطاب الأمني داخلياً ودولياً.
ويشير د. عطيف إلى أن التوتر الحالي يأتي ضمن سياق أوسع من الخلافات المتراكمة عبر الأطلسي، التي تشمل ملفات تجارية وتنظيمية وأمنية، مثل التشريعات الرقمية الأوروبية، ومقاربة الحرب في أوكرانيا، ومستقبل حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا الإطار، يفسر حديث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن «السيادة الأوروبية» على أنه سعي استراتيجي لتقليل الاعتماد المفرط على الشريك الأمريكي، أكثر منه إعلان قطيعة.
ويخلص الخبير إلى أن ما يحدث يندرج ضمن ما تصفه أدبيات العلاقات الدولية بـ«توترات داخل التحالف»، حيث يستمر التعاون الاستراتيجي في القضايا الكبرى، مع تصاعد المنافسة حول النفوذ وتحديد الأولويات.
ويشير إلى أنه لا توجد مؤشرات على انهيار العلاقة في المدى القريب، لكن ما نشهده يعكس إعادة صياغة تدريجية لطبيعة الشراكة عبر الأطلسي، في سياق دولي يتجه نحو تعدد الأقطاب ويعيد تعريف معنى التحالف التقليدي.
