في مشهد ضبابي متشابك، تتسارع الجهود الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع استمرار الحشد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، وسط ترقب حذر لجولة المفاوضات التي تحتضنها جنيف غداً الخميس بين الولايات المتحدة وإيران، في محاولة جديدة لاحتواء واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في الإقليم.المفاوضات تمثل اختباراً حقيقياً لإمكانية تقليص فجوة الخلاف بين واشنطن وطهران، خصوصاً في ظل تباين الرؤى حول ثلاثة ملفات شائكة: البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، والدور الإقليمي لطهران.

وبينما تصر إيران على حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية ورفع العقوبات بشكل كامل، تتمسك الولايات المتحدة باتفاق مُحدَّث يتضمن قيوداً أطول أمداً، ورقابة مشددة، وتفاهمات تتجاوز الملف النووي إلى السلوك الإقليمي والقدرات الصاروخية.

حيث اتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران بالسعي لتطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، كاشفاً أيضاً أنها تعمل على إعادة بناء برنامجها النووي الذي استُهدف بضربات أمريكية العام الماضي.ويؤكد محللون أن فجوة الثقة لا تزال عميقة منذ انسحاب واشنطن من اتفاق 2015، ما يجعل أي تقدم مرهوناً بضمانات متبادلة وآليات تنفيذ واضحة.

فالإدارة الأمريكية تسعى إلى اتفاق يمنع إيران من الاقتراب من «عتبة السلاح النووي»، فيما ترى طهران أن توسيع نطاق التفاوض ليشمل الصواريخ ونفوذها الإقليمي يمثل مساساً بأمنها القومي.في المقابل، يعتبر بعض الخبراء أن لقاء جنيف قد يفضي إلى صيغة مرحلية أو «اتفاق مؤقت» يجمّد التصعيد ويمنح الطرفين مساحة لإعادة بناء الثقة، خاصة في ظل إدراك مشترك بكلفة المواجهة العسكرية على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.

ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح جنيف في ردم الهوة السياسية والاستراتيجية بين البلدين، أم تتحول إلى محطة جديدة في مسار تصاعدي تحكمه حسابات الردع والضغط المتبادل؟الإجابة ستتوقف على حجم التنازلات الممكنة، وقدرة الدبلوماسية على اللحاق بإيقاع الميدان.

ملفات شائكة

يرى أستاذ السياسات الدولية الدكتور أشرف سنجر أن مفاوضات جنيف تمثل نقطة فاصلة بين مسار الحرب ومسار التسوية بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أن الخلافات تتركز في ثلاثة ملفات واضحة.أولها البرنامج النووي. إيران تتمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم باعتباره حقاً سيادياً. في المقابل يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى انتزاع هذا الحق أو تقييده بشكل كامل.

هنا تكمن العقدة الأساسية. النظام السياسي في طهران لا يستطيع الظهور بمظهر المتراجع أمام واشنطن. أي تنازل واسع قد يضعه في موقف حرج داخلياً.وبالنسبة للملف الثاني المتعلق بالصواريخ الباليستية يوضح سنجر أن المقترح الأمريكي يقضي بتقييد مداها إلى نحو 300 كيلومتر. هذا يعني عملياً تقليص قدرة الردع الإيرانية في الإقليم. مشيراً إلى أن طهران بنت استراتيجيتها الدفاعية على هذه الصواريخ،

لذلك تبدو الموافقة على هذا الشرط شديدة الصعوبة.وعن الملف الثالث وهو الدور الإقليمي لإيران عبر جماعات مسلحة كـ«حزب الله» يضيف سنجر أن نفوذ بعض هذه الجماعات تراجع بفعل الضربات والصراعات الأخيرة. لذلك قد تبدي طهران مرونة نسبية في هذا البند مقارنة بالملفين النووي والصاروخي.

ويحذر من أن فشل التفاوض يبقي الخيار العسكري مطروحاً. تحريك حاملات الطائرات والقدرات النارية الأمريكية يرفع منسوب الضغط. لكن الداخل الأمريكي منقسم. استطلاعات الرأي تشير إلى أن نحو ستة من كل عشرة أمريكيين لا يؤيدون الانخراط في حرب جديدة،

انقسام

هذا الانقسام يقيّد قرار الحرب.ويربط د. سنجر المشهد بصراع أوسع بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ والطاقة، مشيراً إلى أن إيران تقع في قلب هذا التنافس. لذلك تبدو جنيف اختباراً حقيقياً إما تسوية معقدة تحفظ ماء وجه الأطراف أو تصعيد يفتح أبواب المنطقة على احتمالات خطرة.

إدارة الصراع

بدورها، ترى الدكتورة سمر الخمليشي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، أن مفاوضات جنيف لا تملك القدرة على تصفية الخلافات العميقة بين واشنطن وطهران دفعة واحدة.وترى أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو إدارة الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة. وتوضح أن الملفات مترابطة في العقيدة الأمنية الإيرانية. وتعتبر أن أي تقدم حقيقي يتطلب الانتقال من منطق تبادل الضغوط إلى منطق تبادل الضمانات. وتضيف أن أي تفاوض لا يأخذ هذه المحددات بعين الاعتبار سيظل يدور في حلقة مفرغة،

الضغط وحده لا ينتج تسوية مستقرة، كما أن التمسك الأقصى بالمواقف لا يفتح أفقاً سياسياً.اتفاق تقني مؤقت وفي السياق، يرى د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، أن مفاوضات جنيف تمثل لحظة حاسمة في مسار التوازنات الإقليمية خلال العقد المقبل.

يقول إن المشهد يتأرجح بين رغبة براغماتية في تجنب الحرب وصدام استراتيجي عميق في الرؤى.ويؤكد أن قدرة جنيف على تقليص الفجوة بين واشنطن وطهران تبقى محدودة في المدى القريب.. الخلافات هيكلية وتتمحور حول ثلاثة ملفات.في الملف النووي، يدور النقاش حول صيغة تجميد مقابل تخفيف للعقوبات لا حول حل نهائي. واشنطن تدفع نحو تقليص حاد للتخصيب، بينما تعتبره طهران حقاً سيادياً.

ويؤكد مجدداً أن أقصى ما يمكن تحقيقه هو اتفاق تقني مؤقت يخفف مخزون اليورانيوم عالي التخصيب مقابل تحرير أموال مجمدة وتخفيف ضغوط اقتصادية. هذا قد يجمّد التصعيد لكنه لا ينهي أزمة الثقة الممتدة منذ عام 2018.وفي ملف الصواريخ الباليستية، يوضح بوبوش أن الهوة أوسع، فإيران تعد هذا البرنامج ركيزة ردع أساسية وترفض إدراجه ضمن التفاوض النووي،

المقابل تصر واشنطن على تقييد المدى والتطوير.. مشيراً إلى أن غياب أرضية مشتركة يجعل التقدم ضعيفاً ويقصر أي تفاهم محتمل على الشق النووي.أما عن الدور الإقليمي، فقد قد تظهر مرونة تكتيكية في بعض الساحات، لكن التخلي الكامل غير وارد.

ويختم بأن جنيف تقف بين فرصة تهدئة محدودة ومسار تصعيد قائم، الضغط العسكري قائم والضغوط الاقتصادية مستمرة.. إلا أن نجاح التفاوض مرهون بمرونة متبادلة.. مؤكداً أنه من دون ذلك ستبقى جنيف محطة اختبار لا نقطة تحول حاسمة.