نظام الحكم في الولايات المتحدة يقوم على مزيج فريد من النصوص الدستورية والتقاليد التي ولدت من رحم الأزمات، حيث تتقاطع الديمقراطية الحديثة مع طقوس قد تبدو مستوحاة من قصص الخيال السياسي. فمن «الحقيبة النووية» التي تتبع الرئيس كظله، إلى بروتوكولات تأمين الخلافة في حالات الكوارث، يُدار البيت الأبيض بعقلية «الاحتمال الأسوأ».
ولعل أغرب هذه التقاليد وأكثرها إثارة وغرابة هو نظام «الناجي المعين»؛ ذلك الإجراء الذي يضع مسؤولاً رفيعاً في مخبأ سري ليلة «خطاب حالة الاتحاد»، ليتحوّل في لحظة واحدة من وزير مغمور إلى رئيس للولايات المتحدة وقائد أعلى للقوات المسلحة، في حال تعرض مبنى الكابيتول لهجوم ينهي حياة القيادة السياسية كلها.
وبما أن «خطاب حالة الاتحاد» يجمع (الرئيس، ونائبه، وأعضاء الكونغرس بمجلسيه، وقضاة المحكمة العليا، والوزراء) في مكان واحد، فإن أي كارثة تقع لمبنى الكابيتول قد تؤدي إلى «قطع رأس الدولة» ما يفضي إلى فراغ دستوري مرعب. ولتجنب ذلك، يتم اختيار أحد الوزراء ليبقى في مكان سري وآمن، ليكون هو الرئيس المؤقت في حال حدوث الأسوأ. ولا يُعلن عن اسم «الناجي المعين» إلا قبل ساعات قليلة من الخطاب.
ويجري الاختيار والتأمين وفق معايير وإجراءات خاصة وجدول زمني. فالوزير الذي يجري اختياره يكون عادة ممن يحملون حقائب خدمية، مثل الزراعة أو الإسكان أو الطاقة، لأن الوزراء السياديين يكونون إلى جانب الرئيس أثناء الخطاب. ويجب أن يكون «الناجي المعيّن» مؤهلاً دستورياً لرئاسة الولايات المتحدة (بمعنى أن يكون مواطناً أمريكياً بالميلاد، ولا يقل عمره عن 35 عاماً).
وبمجرد اختياره يُنقل الوزير إلى موقع سري بعيداً عن واشنطن، ويكون غالباً مخبأ محصناً، ويرافقه فريق كامل من الاستخبارات السرية، وضابط يحمل «الحقيبة النووية»، تماماً كما لو كان هو الرئيس الفعلي.
بمجرد أن يغادر الرئيس البيت الأبيض متوجهاً إلى مبنى الكابيتول، تبدأ صلاحيات «الناجي المعين» الافتراضية، وأهمها الحقيبة النووية، حيث يرافقه ضابط عسكري يحمل نسخة من الحقيبة ورموز الإطلاق، لضمان أن الدولة قادرة على الرد العسكري، حتى لو دُمرت واشنطن بالكامل.
ويتم تأمين اتصال مشفر ودائم بين المخبأ السري ومراكز القيادة العسكرية في (البنتاغون) ووكالات الاستخبارات.
ويرافق الرئيس المعيّن طاقم طبي، وخبراء أمنيون، ومستشارون عسكريون جاهزون لتحويله من وزير إلى «قائد أعلى» في ثوانٍ معدودة.
هذا الإجراء بدأ رسمياً في الستينيات خلال ذروة الحرب الباردة والخوف من هجوم نووي، لكنه لم يُعلن عنه للعامة إلا في عام 1981. وبالإضافة للناجي المعين، تطلب السلطات عادة من بعض أعضاء الكونغرس (من الحزبين) البقاء في أماكن آمنة لضمان وجود «هيئة تشريعية» مصغرة قادرة على الانعقاد إذا دُمر الكابيتول.
وفي أغلب الأحيان يقضي الناجي المعين وقته في مشاهدة الخطاب على التلفاز وتناول البيتزا (أو أي وجبة يفضلها) مع طاقم الحراسة، بانتظار انتهاء الحدث بسلام ليعود إلى منزله كوزير عادي.
لكن لحسن الحظ، لم يحدث أبداً أن تولى «الناجي المعين» الرئاسة بسبب كارثة. المرة الوحيدة التي ارتفعت فيها درجة التأهب القصوى كانت بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث تم التعامل مع أمن هذه الشخصية بصرامة غير مسبوقة.
حقائق مثيرة
لا يقتصر هذا الإجراء على خطاب «حالة الاتحاد» فحسب، بل يُطبق أيضاً في يوم تنصيب الرئيس الجديد وفي الجلسات المشتركة للكونغرس. والهدف دائماً واحد: منع «انقطاع رأس الدولة» في حال وقوع هجوم كارثي يجمع كل قادة الحكومة في مكان واحد.
والطريف في الأمر أن هذا التقليد ألهم صُنّاع الدراما لإنتاج مسلسل شهير يحمل نفس الاسم (Designated Survivor)، حيث يجد وزير الإسكان نفسه فجأة رئيساً لأقوى دولة في العالم بعد انفجار مبنى الكابيتول.
