في تطور لافت يعكس تسارع التحولات في القطب الشمالي، تشهد غرينلاند موجة تحرك دبلوماسي أوروبي غير مسبوقة، مع إعلان دول عدة عن افتتاح أو تفعيل قنصليات لها في الجزيرة خلال فترة زمنية متقاربة، في مقدمتها فرنسا وكندا، وسط حديث عن اهتمام أوروبي أوسع بالوجود الدبلوماسي المباشر.

هذا التسابق القنصلي، الذي يأتي في واحدة من أكثر المناطق حساسية جيوسياسياً، أعاد غرينلاند إلى صدارة المشهد الدولي، ليس فقط بوصفها إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، بل كنقطة ارتكاز محتملة في معادلات النفوذ والأمن والموارد في القطب الشمالي. ويأتي في إطار تحصين غرينلاند من مخططات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبينما تُقدَّم هذه الخطوات رسمياً تحت عناوين إدارية وتنموية، تثير كثافتها وتوقيتها تساؤلات أوسع حول دلالاتها السياسية، وما إذا كانت تعكس مجرد إدارة مصالح متنامية، أم محاولة أوروبية استباقية لإعادة ضبط موازين النفوذ في جزيرة لطالما اعتُبرت ضمن المجال الحيوي الأمريكي.

 ويرى مراقبون أن الحراك الأوروبي يعكس رغبة واضحة في تثبيت موطئ قدم سياسي واقتصادي طويل الأمد في منطقة مرشحة للعب أدوار محورية في المستقبل، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بالقطب الشمالي كمسرح تنافس جديد

دلالة رمزية

في هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور محمد عطيف، أن غرينلاند، بصفتها إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، تمثل نقطة استراتيجية محورية في القطب الشمالي، مستنداً إلى موقعها الجغرافي الفريد، وما تختزنه من ثروات معدنية نادرة، إضافة إلى الفرص المتزايدة التي يتيحها ذوبان الجليد لفتح ممرات بحرية جديدة تربط بين المحيطات.

ويشير د. عطيف إلى أن تنامي الاهتمام الدولي بالجزيرة خلال الفترة الأخيرة يعكس احتدام التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ والموارد في المناطق القطبية، لا سيما مع تحوّل القطب الشمالي من هامش جغرافي إلى قلب معادلات الاقتصاد والأمن العالميين.

ويضيف أن توجه بعض الدول الأوروبية، إلى جانب كندا، لافتتاح أو تعزيز تمثيلها القنصلي في نوك، عاصمة غرينلاند، يمكن النظر إليه من زاوية إدارية وسيادية طبيعية، في ظل ازدياد الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً في قطاعات التعدين والطاقة المتجددة، وتوسع التعاون العلمي المرتبط بأبحاث التغير المناخي.

ويرى أن هذه الخطوات تسهم في تسهيل الخدمات القنصلية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي، ودعم الأبحاث البيئية، دون أن تمس بالإطار السيادي لمملكة الدنمارك أو بصلاحيات الحكم الذاتي في الجزيرة.

لكنه في الوقت ذاته يشدد على أن هذه التحركات لا يمكن عزلها بالكامل عن السياق الجيوسياسي الأوسع، خاصة في ضوء الضغوط والتصريحات التي صدرت عن الإدارة الأمريكية خلال فترة رئاسة دونالد ترامب الثانية، والتي أعادت تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند في حسابات الأمن الدولي.

ويعتبر د. عطيف أن افتتاح القنصليات، حتى لو كان مخططاً له مسبقاً، يحمل دلالة رمزية تعكس حرصاً أوروبياً على تعزيز الحضور الغربي المشترك في القطب الشمالي، والتحوط أمام أي تحولات محتملة في السياسة الأمريكية.

ويخلص إلى أن التوجه الأوروبي نحو غرينلاند يجمع بين دوافع إدارية واقتصادية مشروعة وحسابات استراتيجية دقيقة، دون أن يصل إلى مستوى المواجهة المباشرة، مشيراً إلى أن الحكم النهائي على أبعاد هذه الخطوات سيظل مرتبطاً بتطورات المرحلة المقبلة.

 حصن 

من جانبه، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، الدكتور محمد بوبوش، أن التحركات الأوروبية والكندية الأخيرة تجاه غرينلاند تعكس ما يمكن وصفه بـ«هرع دبلوماسي نحو الشمال»، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يكتفي بالبيانات والتصريحات التقليدية، بل انتقل إلى ممارسة ما يسميه «السيادة الوقائية» عبر تكثيف البعثات الدبلوماسية والاستثمارات المباشرة.

ويقول د. بوبوش إن هذه الخطوات تهدف إلى بناء «درع دبلوماسية» تحصّن الجزيرة من أي نزعات أمريكية أحادية للسيطرة عليها، وتضمن لأوروبا حضوراً دائماً في معادلات تقرير مصير الثروات القطبية.ويؤكد أن افتتاح كندا وفرنسا قنصليتين في غرينلاند يوم 6 فبراير 2026 يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن أي ضغوط أمريكية محتملة تجاه غرينلاند أو الدنمارك لا تمس الطرفين وحدهما، بل تطال شبكة أوسع من الحلفاء الأوروبيين وكندا.

ويضيف أن ربط القنصليتين بالسفارتين الفرنسية والكندية في كوبنهاغن يمنح غرينلاند فرصة «التدرب» على إدارة علاقات خارجية أوسع، في ظل ما يراودها تاريخياً من طموحات بالاستقلال.ويذكّر بأن كندا كانت قد أعلنت في أواخر عام 2024 نيتها افتتاح قنصلية في الجزيرة، تحسباً لعودة ترامب إلى البيت الأبيض، وتعزيزاً لتعاونها الاستراتيجي في القطب الشمالي.

ويخلص د. بوبوش إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي، سواء عبر تأمين موطئ قدم في سلاسل توريد المعادن الأرضية النادرة، أو عبر مراقبة الممرات البحرية الناشئة، بما يجعل الوجود القنصلي بمثابة «مجسات» سياسية واقتصادية تضمن لأوروبا دوراً فاعلاً في رسم الخريطة الجيوسياسية للقطب الشمالي، والتحوط من تداعيات سياسات «أمريكا أولاً».