يشكل الاتفاق الضمني الذي جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة أوروبا وحلف الناتو خلال مؤتمر دافوس 2026 حول جزيرة غرينلاند، محور اهتمام دولي وجيوسياسي واسع.
الاتفاق الإطاري ركّز على تعزيز الأمن والوجود الاستراتيجي في القطب الشمالي، وسط مخاوف من توسع النفوذ الروسي والصيني في المنطقة الحيوية بين شمال الأطلسي والمحيط القطبي.
ويهدف الاتفاق إلى تقاسم المصالح الدفاعية والاستخباراتية في الجزيرة مع حلفاء أمريكا، بما يخدم أهداف الحلف الأطلسي، ويعزز القدرة على مراقبة المسارات البحرية الحيوية.
في المقابل، شددت الدنمارك وغرينلاند على أن السيادة على الجزيرة غير قابلة للتفاوض، مؤكّدتين التزامهمم بالقانون الدولي وحماية مصالح السكان المحليين.
ضغط استراتيجي
ويرى محللون أن هذه الصفقة، حتى في إطارها الضمني، تُعد خطوة ضغط استراتيجي على روسيا في ملف أوكرانيا، وتضع ميزان القوى في شمال الأطلسي والمحيط الأطلسي تحت مراقبة مشتركة أمريكية‑أوروبية.
ويشير الخبراء إلى أن الاتفاق قد يفضي إلى تعزيز القواعد العسكرية والرصد الاستراتيجي، وتركيز التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، دون أن يُحدث صداماً مباشراً مع موسكو، لكنه يرفع مستوى التوتر الجيوسياسي في المنطقة.
هندسة التوازنات الكبرى
ترى أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، الدكتورة سمر الخمليشي، أن مقاربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسياسة الخارجية لا تنطلق من منطق القيم أو الالتزامات التحالفية التقليدية، بقدر ما تقوم على حسابات مصلحية قومية مباشرة، تسأل أولاً عمّا يمكن أن تحققه الولايات المتحدة من مكاسب ملموسة.
ومن هذا المنظور، تؤكد أن أوكرانيا لم تمثل يوماً أولوية استراتيجية حقيقية في رؤية ترامب، بل كان ينظر إليها باعتبارها عبئاً أوروبياً يجب أن تتحمل أوروبا كلفته السياسية والعسكرية والمالية، لا واشنطن.
وتشير الخمليشي إلى أن هذا التصور يجعل من الصعب الاعتقاد بأن ممارسة ضغوط حقيقية على روسيا في الملف الأوكراني تشكل هدفاً مركزياً في علاقة ترامب بحلف شمال الأطلسي، إذ إن اهتمامه، وفق قراءتها لتصريحاته وسلوكه السياسي، يتجه نحو إعادة هندسة التوازنات الكبرى في النظام الدولي، لا سيما في مواجهة صعود الصين، ومحاولة ضبط النفوذ الروسي في مناطق تعتبر أكثر حساسية للمصالح الأمريكية المباشرة.
وفي هذا السياق، تبرز غرينلاند، بحسب الخمليشي، ليس كفكرة عابرة أو استعراضية، بل كورقة استراتيجية ذات أهمية بالغة.
فالجزيرة تمثل موقعاً جيوسياسياً حاسماً في القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين، سواء على مستوى الممرات البحرية الجديدة، أو الموارد الطبيعية، أو حسابات التفوق العسكري طويل الأمد.
ومن هنا، ترى الخمليشي أن أي صفقة محتملة بين ترامب وحلف الناتو لا تستهدف موسكو عبر البوابة الأوكرانية، بل تهدف أساساً إلى إعادة ضبط أدوار الحلفاء الأوروبيين، ودفعهم إلى التموضع داخل استراتيجية أمريكية أوسع عنوانها مواجهة الصين في المقام الأول، واحتواء روسيا في المقام الثاني، من دون الانخراط في حروب استنزاف طويلة لا تخدم المصلحة الأمريكية المباشرة.
وتخلص الخمليشي إلى أن أوكرانيا، في حسابات ترامب، تبقى ملفاً ثانوياً مقارنة بالجغرافيا الكبرى وموازين القوة العالمية، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن منطق ترامب بشأن غرينلاند قوبل برفض قاطع أوروبي، حيث اعتبره معظم القادة الأوروبيين شكلاً من أشكال الابتزاز السياسي، وانتهاكاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي.
مكسب دعائي
في السياق ذاته، يرى د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، أن الجدل المثار حول ما بات يُعرف بصفقة غرينلاند لا يمكن فصله عن السياق الجيوسياسي الأوسع المرتبط بالحرب في أوكرانيا وإعادة تشكيل توازنات القوة داخل حلف شمال الأطلسي.
موضحاً أن التلويح الأمريكي بإمكانية العمل العسكري لضم غرينلاند لم يكن مجرد خطاب ضغط، بل مثّل اختباراً حقيقياً لمنظومة الأمن الجماعي التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، وأثار مخاوف أوروبية جدية من عودة منطق الإكراه داخل التحالف الغربي نفسه.
ويشير بوبوش إلى أن ردّ الفعل الأوروبي، الداعم صراحة للدنمارك، عكس إدراكاً متزايداً لخطورة المساس بقواعد التضامن الأطلسي، خاصة في منطقة القطب الشمالي التي تُعدّ مجالاً حساساً للتنافس الدولي.
غير أن التفاهم الذي جرى الإعلان عنه في منتدى دافوس بين الرئيس دونالد ترامب والأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، كشف عن مقاربة أمريكية براغماتية تقوم على الفصل بين السيادة القانونية والسيطرة العسكرية، بما يمنح واشنطن استقلالية عملياتية كاملة داخل القواعد في غرينلاند، دون اللجوء إلى سيناريو الضم المباشر.
ويعتبر بوبوش أن هذه الصيغة تمثل تحولاً نوعياً في عقيدة الحلف، إذ تحوّلت غرينلاند من ملف خلافي محدود إلى أداة ضغط استراتيجية.. فمن جهة، استخدمت الولايات المتحدة ملف أوكرانيا كورقة مقايضة لانتزاع تنازلات أوروبية في القطب الشمالي، ما يعني فرض كلفة جيوسياسية مقابل استمرار الحماية الأمريكية.
ومن جهة أخرى، تسعى واشنطن إلى تضييق الخناق على روسيا عبر إغلاق البوابة الشمالية أمام طموحاتها العسكرية، بما يضعف موقع الرئيس فلاديمير بوتين التفاوضي.
غير أن بوبوش يحذّر من أن هذا المسار، رغم فعاليته الاستراتيجية، يمنح موسكو مكسباً دعائياً، عبر تصوير الناتو كتحالف تحكمه المصالح الجغرافية والمعادن النادرة أكثر مما تجمعه القيم الديمقراطية، وهو ما قد ينعكس سلباً على تماسكه الداخلي على المدى المتوسط.