منذ أكثر من نصف قرن، ظهرت واحدة من أكثر “القصص التاريخية” تداولاً في الثقافة الأميركية، ولقيت رواجاً عالمياً أخيراً، تتمثل في تلك القائمة الطويلة من “التشابهات الغريبة” بين الرئيسين أبراهام لنكولن وجون ف. كينيدي. قائمةٌ تُقدَّم عادةً بوصفها دليلاً على أن التاريخ يكرر نفسه بطريقة غامضة، أو أن هناك “قدراً سرياً” يربط بين رجلين اغتيلا في لحظتين مفصليتين من تاريخ الولايات المتحدة.

غير أن التحقيقات التاريخية وفحص الحقائق يقدّمان صورة مختلفة تماماً: بعض هذه التشابهات صحيح وموثّق، وكثير منها إمّا مبالغ فيه، وإما خاطئ بالكامل، وإما يدخل في نطاق ما يسمّيه الباحثون “الأسطورة الحضرية” التي تتغذّى على ميل البشر إلى البحث عن أنماط ومعانٍ حتى في المصادفات البحتة.

تؤكد موسوعة التاريخ السياسي الأميركية أن هذه الظاهرة أصبحت نموذجاً كلاسيكياً يُعرف بـ"أسطورة مصادفات لينكولن وكينيدي" ولا يمثل بالضرورة حقيقة تاريخية متماسكة.

تشابهات حقيقية

أولى الحقائق التي يستند إليها مروّجو القصة هي أن الرجلين انتُخبا بفارق مئة عام تقريباً؛ فلينكولن انتُخب عضواً في الكونغرس عام 1846، فيما انتخب كينيدي عضواً في الكونغرس عام 1946، ثم انتُخب لينكولن رئيساً عام 1860، وكينيدي عام 1960.

هذه بالفعل مصادفة زمنية صحيحة، لكنها ليست “لغزاً”، بل مجرد تقاطع رقمي يمكن أن يحدث في تاريخ طويل مليء بالدورات السياسية.

كما أن كلا الرئيسين ارتبط اسمه بقضية الحقوق المدنية في بلاده: لينكولن بإلغاء العبودية، وكينيدي بدعم تشريعات الحقوق المدنية الحديثة. لكن هذا التشابه ليس “قدرياً”، بل انعكاس لطبيعة اللحظتين التاريخيتين اللتين عاشت فيهما أميركا أزمات هوية وانقسام داخلي.

تفاصيل الأسطورة

المشكلة ليست في وجود بعض المصادفات، بل في الطريقة التي تحوّلت بها هذه المصادفات إلى “سردية سحرية” مكتملة، أُضيفت إليها معلومات غير صحيحة حتى أصبحت أشبه بنصّ شعبي متوارث أكثر من كونها مادة تاريخية دقيقة.

ومن أبرز الأمثلة التي فندتها مواقع التحقق من الحقائق؛ أسطورة السكرتيرين المتبادلين، تقول القائمة الشهيرة إن لينكولن كان لديه سكرتير اسمه “كينيدي”، وإن كينيدي كان لديه سكرتير اسمه “لينكولن”.

الحقيقة: كينيدي بالفعل كانت لديه سكرتيرة تُدعى إيفلين لينكولن، لكن أبراهام لنكولن لم يكن لديه أي سكرتير باسم كينيدي، بل كان سكرتيراه المعروفان هما جون هاي وجون نيكولاي.

وصحيح أن كليهما اغتيل يوم جمعة وبطلقات نارية، لكن هذه ليست مصادفة خارقة في سياق الاغتيالات السياسية، بل تفاصيل عامة تُنتقى بعناية لتبدو أكثر غرابة مما هي عليه فعلاً.

تشابهات مصطنعة

يشرح علماء الاجتماع والنفس أن الإنسان بطبيعته يميل إلى رؤية “نظام خفي” في الفوضى، وهو ما يعرف بمفهوم "أبوفينيا"؛ أي إدراك أنماط ومعانٍ في أحداث غير مترابطة. ولهذا تبدو المصادفات حين تُسرد في قائمة واحدة وكأنها “قدر”، بينما هي في الحقيقة مجرد انتقاء ذكي للتفاصيل.

الإعلام الشعبي بدوره يعشق هذه الحكايات، لأنها تمنح التاريخ طابعاً روائياً جذاباً: رئيسان، قرنٌ كامل، اغتيالان، تشابهات رقمية، سردية جاهزة للتداول. وهكذا تتحول المصادفة إلى “أسطورة سياسية”.

ما الذي يبقى؟

الخلاصة التي تتفق عليها المصادر الأكاديمية ومؤسسات التحقق هي أن تشابه لينكولن وكينيدي ليس وهماً كاملاً، لكنه أيضاً ليس لغزاً خارقاً. إنه مثال نموذجي على الطريقة التي تصنع بها المجتمعات “ذاكرة سردية” للتاريخ: بضع تقاطعات صحيحة، تُضاف إليها مبالغات، ثم تُروى كأنها حقيقة كاملة. ولهذا تصف الموسوعات التاريخية هذه القصة صراحة بأنها أسطورة حضرية، لا وثيقة تاريخية.

أما موقع Snopes، أحد أشهر مراجع التحقق في العالم، فيؤكد أن معظم ما يُتداول حول “التشابهات المذهلة” إما غير صحيح أو مبني على انتقاء مضلل للتفاصيل.

ربما لا تكمن جاذبية قصة لينكولن وكينيدي في صحتها، بل في حاجتنا البشرية إلى أن نرى في التاريخ معنى أكبر من الوقائع. نحن نبحث عن خيطٍ سردي يربط بين الأحداث، عن جملة تقول إن العالم ليس عشوائياً بالكامل.. لكن الحقيقة أبسط وأعمق: التاريخ لا يكتب نفسه بالمصادفات.