تواجه العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية مرحلة من التقاطع الحذر بين الضغط السياسي والتفاوض الاستراتيجي.
سياسات ترامب، القائمة على منطق «أمريكا أولاً»، دفعت الحلفاء الأوروبيين إلى إعادة تقييم قدراتهم الذاتية، سواء على صعيد الدفاع أو الاستقلال الاستراتيجي، مع إبقاء التزاماتهم تجاه الحلف ضمن حدود ما يروه مناسباً للتوازن مع مصالحهم الوطنية.
برزت عدة نماذج لتباين هذه العلاقة، مثل المفاوضات المتوترة حول ميزانية الدفاع الأوروبية وتقاسم الأعباء، وخلافات واشنطن–باريس–برلين حول سياسات الطاقة والتعامل مع روسيا، إضافة إلى الاحتجاجات الأوروبية على التهديدات الأمريكية بفرض رسوم جمركية على صادرات القارة.
هذه المواقف دفعت إلى تعزيز بعض الخطوات نحو استقلال استراتيجي أوسع، لكنها لم تُفكك الروابط التقليدية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
في المحصلة، أسهمت سياسات ترامب في تحدي الثقة التقليدية داخل الغرب، وفي إعادة تعريف حدود التعاون والحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.
تنافس لا شراكة
يؤكد د. حمدي أعمر حداد، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا بعد مرور عام على الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب دخلت مرحلة أكثر براغماتية وأقل انسجاماً، حيث لم تعد الشراكة عبر الأطلسي تقوم فقط على القيم المشتركة، بل أصبحت تُدار وفق منطق المصالح الاقتصادية والتنافس على النفوذ والأسواق العالمية.
وفي هذا الإطار، أعاد ترامب صياغة العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين من زاوية المصالح الأمريكية الصرفة، في ظل احتدام المنافسة الاقتصادية الدولية. فالإدارة الأمريكية واصلت سياسات حمائية شملت التلويح بالرسوم الجمركية وإعادة التفاوض حول سلاسل التوريد الصناعية والتكنولوجية، وهو ما أثر على شعور الاتحاد الأوروبي بأن واشنطن تراها منافساً اقتصادياً بقدر ما هي شريك استراتيجي.
وتتجلى هذه الديناميكية بشكل واضح في مناطق النفوذ الاقتصادية الحيوية، بما في ذلك إفريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق المتوسط، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية والأوروبية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والمواد الأولية الاستراتيجية. ففي الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى بناء شراكات تنموية طويلة الأمد، تعتمد الولايات المتحدة نهجًا أكثر مباشرة يركز على النفوذ التجاري والطاقي، ما يولد احتكاكات صامتة داخل المعسكر الغربي.
كما استغلت واشنطن ملف الطاقة والهجرة كأدوات ضغط، من خلال تعزيز صادرات الغاز الطبيعي المسال، وربط الاستقرار الأوروبي بالقدرة على ضبط الحدود والهجرة غير النظامية، ما زاد من الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.
خلاصة القول، يرى د. حداد، أن العام الأول من ولاية ترامب الثانية كشف عن علاقة أمريكية–أوروبية قائمة على توازن هش بين الشراكة والتنافس، حيث أصبح الاقتصاد ومناطق النفوذ عوامل مركزية في إعادة تشكيل وحدة المعسكر الغربي، دون أن تصل الأمور إلى قطيعة كاملة، مع تآكل واضح لروح التضامن التقليدي بين الأطراف.
اختبار حقيقي
بينما يؤكد خبير العلاقات الدولية د. محمد شكريد، أن أوروبا تواجه اليوم واحدة من أكثر لحظاتها الجيوسياسية هشاشة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في ظل تصاعد غير مسبوق في التوترات مع الولايات المتحدة، الحليف التقليدي، وتنامي التهديد الروسي في آنٍ واحد.
ويوضح أن العلاقات الأمريكية –الأوروبية، التي شكّلت حجر الأساس للنظام الأمني الغربي منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، تمر بمرحلة اختبار حقيقي، لم تعد فيها الخلافات مجرد تباينات عابرة، بل تعكس تحولات عميقة في المصالح والاستراتيجيات.
ويشير شكريد إلى أن أوروبا، التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأمريكية ، تجد نفسها اليوم أمام ضغوط غير مسبوقة من واشنطن، وصلت إلى حد إثارة قضايا تمس السيادة الأوروبية، مثل ملف غرينلاند، ما يكشف حجم الاختلال في ميزان القوة داخل التحالف الغربي.
وتفاقم هذه الهشاشة، بحسب الخبير، الانقسامات الأوروبية الداخلية وغياب قيادة موحدة قادرة على صياغة رؤية استراتيجية مشتركة، وهو ما ظهر بوضوح في تباين مواقف الدول الأوروبية بين التضامن الرمزي والحذر السياسي تجاه الضغوط الأمريكية .
ويؤكد شكريد أن إدارة دونالد ترامب تتعامل بمنطق المصالح الصلبة، مقدّمة حسابات القوة على الاعتبارات الأيديولوجية أو القانونية، الأمر الذي يضع أوروبا أمام أسئلة مصيرية تتعلق بطبيعة تحالفها مع واشنطن، وحدود الاعتماد عليها كضامن للأمن الأوروبي.
وفي هذا السياق، يبرز تحدي ترتيب الأولويات بين مواجهة التهديد الروسي عبر الساحة الأوكرانية، أو التعامل مع توترات متصاعدة مع الحليف الأمريكي.
ويخلص الخبير إلى أن استمرار الضغوط الأمريكية، ولا سيما في ملف غرينلاند، قد يشكّل نقطة تحول تدفع أوروبا إلى إعادة النظر في استقلاليتها العسكرية واستراتيجياتها الدفاعية لحماية أمنها ومصالحها الحيوية.
واقع أمني مختلف
بينما يرى المحلل السياسي والمستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، الدكتور حازم الغبرا، أن التوجهات والسياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على المدى الطويل، ستدفع القارة الأوروبية إلى إعادة النظر بشكل جدي في منظومتها الدفاعية، وإن جاء هذا الالتفات متأخراً. فالقضية لا تتعلق بقرارات آنية أو استجابات ظرفية، بل بغياب استراتيجي طويل الأمد في ملف الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وهو ملف تم إهماله لعقود متتالية، وليس لسنوات قليلة فقط.
ويشير الغبرا إلى أن الدول الأوروبية تواجه اليوم واقعاً أمنياً مختلفاً تماماً عمّا كانت عليه في السابق، حيث أصبحت الحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. هذا القصور في الإنفاق العسكري ظهر بوضوح شديد بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، والتي كشفت حجم الفجوة بين المتطلبات الأمنية الفعلية لأوروبا وبين ما تم استثماره عسكرياً على مدى سنوات طويلة، وذلك رغم التحذيرات المتكررة والنصائح المستمرة التي قدمتها الولايات المتحدة لحلفائها الأوروبيين منذ زمن بعيد.
ويؤكد الغبرا أن مشكلة الإنفاق العسكري ليست مسألة يمكن معالجتها بسرعة أو بقرارات فورية، بل هي مسألة تراكمية بطبيعتها. فبناء القدرات العسكرية يتطلب وقتاً طويلاً واستثمارات مستمرة، سواء في مجال تدريب القوات، أو توسيع حجم الجيوش، أو تطوير منظومات التسليح والتكنولوجيا الدفاعية. كل هذه العناصر تحتاج إلى تخطيط بعيد المدى وعمل دؤوب، ولا يمكن تعويض سنوات الإهمال خلال فترة قصيرة.
ويضيف أن الدول الأوروبية تجد نفسها اليوم في موقع متأخر جداً، وتحت ضغوط أمريكية كبيرة تدفعها إلى القيام بما كان ينبغي عليها فعله منذ زمن. إلا أن هذه الجهود، رغم ضرورتها، تأتي في توقيت صعب، حيث إن الفجوة القائمة تتطلب مستويات عالية من الإنفاق، إضافة إلى التزام سياسي وعسكري طويل الأمد من أجل الوصول إلى مرحلة تستطيع فيها أوروبا الدفاع عن نفسها بشكل فعّال.
ويختم الغبرا بالقول إن الهدف النهائي لا يتمثل فقط في تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، بل في تمكين أوروبا من أن تكون شريكاً حقيقياً للولايات المتحدة في المجال الأمني والعسكري، شراكة تقوم على الندية الفعلية، وإن لم تكن مساوية تماماً للقوة الأمريكية، فإنها تكون متناسبة معها وقادرة على تقاسم الأعباء والمسؤوليات بشكل أكثر توازناً.