تجلت سياسة إدارة ترامب تجاه روسيا خلال العام الأول من ولايته الثانية بوصفها مقاربة دقيقة تقوم على الموازنة بين التصعيد الاستراتيجي والمهادنة الانتقائية، في مسعى للحفاظ على النفوذ الأمريكي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع موسكو.

وعلى مدى العام الماضي، تعددت لقاءات الرئيسين دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وتناولت جملة من الملفات، في مقدمتها الحرب في أوكرانيا وملف الطاقة، فضلاً عن تداعيات اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الحليف التقليدي لموسكو، ما سلّط الضوء على منافسة غير معلنة بين الطرفين على مناطق النفوذ في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

اللافت أن واشنطن اعتمدت مهادنة محسوبة تجاه روسيا في النزاع الأوكراني، بالتوازي مع الإبقاء على قيود وعقوبات استراتيجية، وهو ما أسس لحالة من الغموض الاستراتيجي داخل المنظومة الغربية بشأن حدود الالتزام الأمريكي.

وقد أظهرت هذه السياسة قدرة ترامب على إدارة ملفات شائكة عبر مزيج من الضغط والتفاهم، لكنها في المقابل أثارت شكوكاً متزايدة لدى الحلفاء الأوروبيين حول مصداقية الولايات المتحدة، وعززت فرص تقارب روسي–صيني في مواجهة النفوذ الأمريكي، ما يجعل العام الأول من ولايته الثانية اختباراً حقيقياً لاستدامة الهيمنة الأمريكية.

تعاون غير معلن

يقول د. عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، إن علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاتحاد الروسي وبشخص الرئيس فلاديمير بوتين تعد من أكثر العلاقات وضوحاً واستمرارية على الساحة الدولية، سواء خلال الولاية الأولى لترامب أو بعد عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية.

ويشير إلى أن قنوات التواصل بين واشنطن وموسكو لم تنقطع، بل ظلت قائمة بدرجات مختلفة، وهو ما انعكس في الخطاب السياسي وفي إدارة الملفات الخلافية الكبرى.

ويوضح الديب أن أحد أبرز الوعود الانتخابية التي رفعها ترامب تمثل في إنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية، إلا أن هذا التعهد لم يتحقق حتى الآن، ليس بسبب تعنت روسي - من وجهة نظره - بل نتيجة الموقف الأوكراني الرافض لأي تسوية لا تتضمن استعادة الأراضي التي فقدتها كييف، وعلى رأسها شبه جزيرة القرم، إلى جانب الحصول على ضمانات أمنية شاملة، وهو ما يجعل نقاط الخلاف مع موسكو معقدة ومتداخلة.

ويضيف أن ملامح التعاون غير المعلن بين ترامب وروسيا يمكن رصدها في منح واشنطن هامش تحرك واسع في ملفات مثل إيران وفنزويلا والشرق الأوسط، دون تدخل روسي مباشر.ويتساءل الديب هنا عمّا إذا كان هذا السلوك الروسي نابعاً من إنهاك موسكو بفعل الحرب الممتدة والعقوبات القاسية على اقتصادها، أم أنه جزء من تفاهمات ضمنية تسمح لترامب بالتحرك في ساحات معينة مقابل مرونة أمريكية محتملة في الملف الأوكراني.

غير أن الديب يلفت إلى أن ترامب، رغم رغبته في عقد «صفقة كبرى»، لا يمتلك وحده مفاتيح الحل في أوكرانيا، في ظل ثقل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، والأهم موقف الحكومة الأوكرانية نفسها التي ترفض أي اتفاق لا يعالج جميع القضايا الخلافية جذرياً.

ويخلص إلى أن العلاقة بين ترامب وروسيا تقوم على توازن دقيق بين التواصل والتباعد، والتفاهمات الضمنية دون الوصول إلى تسوية شاملة.

تبادل مصالح

في سياق متصل، يرى الباحث السياسي أحمد المصري، أن العلاقات الأمريكية–الروسية خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب شهدت تحولاً نوعياً لافتاً، يمكن وصفه بالانتقال من منطق «الحرب الباردة الصامتة» إلى نمط أكثر براغماتية يقوم على التفاهمات غير المعلنة وتبادل المصالح، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية التقليدية.

ويعتبر المصري أن إدارة ترامب تعاملت مع روسيا باعتبارها قوة كبرى يجب التفاهم معها لا استنزافها، وهو ما انعكس بوضوح في الملف الأوكراني، حيث خفضت واشنطن مستوى دعمها السياسي والعسكري لكييف، وفتحت المجال أمام موسكو لتكريس نفوذها الميداني والسياسي، في مقابل تركيز الإدارة الأمريكية على أولويات أخرى تراها أكثر إلحاحاً، سواء في الشرق الأوسط أو في مواجهة الصين.

في المقابل، يشير المصري إلى أن موسكو أبدت مرونة واضحة في ساحات كانت تعد تقليدياً مناطق اشتباك غير مباشر مع واشنطن، وعلى رأسها فنزويلا. فالتراجع النسبي للدعم الروسي الصريح للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، وتخفيف الحضور السياسي والإعلامي الروسي في الملف، عكس استعداد الكرملين لترك مساحة أوسع للتحرك الأمريكي في أمريكا اللاتينية، ضمن ما يشبه «تقاسم النفوذ» غير المعلن.

ويؤكد المصري أن هذا النمط من العلاقات لا يقوم على الثقة أو التحالف، بل على إدارة المصالح وتجنب الصدام المكلف. فترامب بعقليته التجارية ينظر إلى السياسة الخارجية كسلسلة صفقات، بينما يتعامل بوتين بواقعية استراتيجية تهدف إلى تثبيت المكاسب وتقليل الخسائر، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية.

وعلى مستويات أخرى، مثل الطاقة، وأسواق السلاح، والملفات الإقليمية في الشرق الأوسط، يرى المصري أن واشنطن وموسكو التزمتا بسياسة «الخطوط الحمراء غير المكتوبة»، ما خفف من احتمالات المواجهة المباشرة، دون أن ينهي التنافس بينهما.

ويخلص الباحث إلى أن العلاقة بين ترامب وبوتين خلال هذه المرحلة لا تمثل نهاية للحرب الباردة بقدر ما تعكس إعادة تعريفها، من صراع مفتوح إلى تفاهمات انتقائية تحكمها المصالح والطموحات، في عالم بات أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية.