تعد غرينلاند مجرد جزيرة جليدية بعيدة عن مراكز القرار العالمي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان بارز في النقاشات السياسية الدولية، وباتت من أبرز النقاط الجيوسياسية الساخنة في العالم اليوم، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية والعسكرية والبيئية في تنافس عالمي متسارع، وتقف اليوم على مفترق طرق بين النفوذ الأمريكي والأوروبي والآسيوي، بين السيادة الوطنية والأطماع الاستراتيجية، بين الجليد والاقتصاد العالمي، لتكون أحد أبرز الملفات الساخنة في السياسة الدولية خلال العقد المقبل.

على الرغم من تاريخ طويل في ظل اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند أعادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء مساعيها، للاستحواذ على الجزيرة، وصعدت التهديدات الموجهة ضد هذا الإقليم الدنماركي. وغني عن القول إن الجزيرة باتت نقطة تقاطع بين الأمن والطاقة والتجارة والنفوذ العالمي، حيث تعتبرها الدول الكبرى مفتاح السيطرة على نصف الكرة الغربي، هل تتحول غرينلاند الجزيرة الجليدية إلى إلى ساحة صراع بالنار على وقع الجليد الذائب؟

جسر جغرافي

لم تعد غرينلاند مجرد إقليم تابع للدنمارك، بل جسر جغرافي يربط بين منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي الأمريكي، وطرق الملاحة القطبية الناشئة، وأشعلت سباق الموارد والمعادن النادرة. ترامب يرى غرينلاند مفتاحاً للأمن القومي الأمريكي، وقد عبر سابقاً عن رغبته في شرائها، وانضمت روسيا إلى الصراع بتأكيدها، أمس، أن سكان جزيرة غرينلاند قد يصوتون للانضمام إلى روسيا إذا لم يتحرك ترامب على وجه السرعة لضم الجزيرة،

ولا شك في أن الصراع ليس اقتصادياً فحسب، بل هو صراع نفوذ عسكري، حيث تمثل غرينلاند موقعاً استراتيجياً مثالياً للمراقبة والسيطرة العسكرية بين القارات، ما يجعلها نقطة ارتكاز في أي صراع مستقبلي بين القوى الكبرى، بما في ذلك روسيا والصين اللتان تراقبان الموقف عن كثب، علماً بأن ذوبان الجليد قد يفتح ممرات بحرية جديدة، تقلص زمن الشحن بين آسيا وأوروبا وأمريكا، وهو ما يفسر السباق العسكري والاقتصادي على المنطقة.

 التواجد الروسي

روسيا تعزز وجودها البحري في شمال الأطلسي، والصين تحاول التمدد عبر «أبحاث علمية» واستثمارات، وهو ما تراقبه واشنطن عن قرب وتعتبره تهديداً مباشراً، حيث أكد ترامب الأمريكي أن الولايات المتحدة سوف تستحوذ على غرينلاند بطريقة أو بأخرى.

وأضاف أنه لن يسمح للصين وروسيا بالوصول إلى غرينلاند.

احتياطات

تشير تقديرات علمية صادرة عن هيئات جيولوجية دولية إلى أن المنطقة تحتوي على نسب مهمة من الاحتياطات العالمية غير المكتشفة من الغاز الطبيعي والنفط، فضلاً عن معادن استراتيجية نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة والطاقة المتجددة. هذه الموارد، التي بقيت لعقود خارج نطاق الاستثمار، بسبب الظروف المناخية القاسية، باتت اليوم أقرب إلى متناول الدول والشركات الكبرى مع تطور التقنيات، وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة والمعادن،

وعلى الرغم من عدم امتلاكها لأي أراضٍ في القطب الشمالي، إلا أن الصين أعلنت أنها «دولة قريبة من القطب الشمالي»، وبدأت بالمشاركة بشكل متزايد في الحوكمة والاستثمار في القطب الشمالي،

واستثمرت الصين في البحث العلمي هناك، وبنت كاسحات جليد جديدة، ودخلت في شراكات مع روسيا.

ويؤكد محللون غربيون أن غرينلاند هي نوع من القاعدة المتقدمة لاكتشاف إطلاق الصواريخ أو أجسام مختلفة من روسيا، أو حتى الصين، التي تستهدف القارة الأمريكية وتعبر القطب الشمالي، فهي تقع إلى جانب آيسلندا والمملكة المتحدة، على محور حاسم، ما يسمى بفجوة «GIUK»، التي تتحكم في الوصول البحري إلى شمال المحيط الأطلسي، وهذا الممر البحري يشكل نقطة اختناق استراتيجية حيوية لمراقبة الغواصات الروسية.