لم تكن نبرة «القلق البالغ» إزاء التحالف الغربي، التي أبداها نائب المستشار الألماني ووزير المالية، لارس كلينجبايل، في واشنطن مجرد تعبيرات دبلوماسية، بل حملت توصيفاً دقيقاً لواقع جديد يرى فيه محللون أن التحالف بين الدول الغربية الذي عمّر طويلاً، يواجه «أزمة وجودية» لم يشهدها منذ الحرب العالمية الثانية.

وقد بدا واضحاً أن رغبة الإدارة الأمريكية في السيطرة على جزيرة غرينلاند تحوّلت من مجرد «تغريدات» إلى تهديد صريح بالاستيلاء عليها بالقوة، وهو ما اعتبره خبراء أمنيون (مثل اللورد ريكيتس، عضو في مجلس اللوردات البريطاني، ومستشار الأمن القومي البريطاني السابق) بمثابة رصاصة الرحمة على مبدأ «الثقة» الذي يقوم عليه حلف الناتو.

وترى الدوائر السياسية في كوبنهاغن وبرلين أن استهداف سيادة دولة عضو في الناتو (الدنمارك) من قِبل «حامي الحلف» يقلب الطاولة على النظام الأمني برمته. وتشير هذه الدوائر إلى أن واشنطن لم تعد ترى في أوروبا شريكاً، بل «ساحة للموارد» ومجرد موقع استراتيجي لمواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي.

وزير المالية ونائب المستشار الألماني لارس كلينجبايل قال، الأحد، إن مبادئ القانون الدولي تنطبق على الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة، في إشارة إلى ⁠تهديدات الرئيس دونالد ‍ترامب بالاستيلاء على غرينلاند. كما وضع «خطاً أحمر» واضحاً تجاه التدخلات الأمريكية في استقلالية البنوك المركزية (خاصة الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي)، باعتبار أن هذا الملف يعكس مخاوف أوروبية أعمق من تحول النظام المالي العالمي إلى أداة ضغط سياسي مباشر.

ورغم أن كلينجبايل يصف نفسه بأنه «عابر للأطلسي بامتياز»، إلا أن تصريحاته حول «التباعد السيئ للعالم» تلمح إلى أن ألمانيا بدأت تتقبل فكرة أن الحليف القديم قد أصبح «منافساً غير متوقع».

تتفق ردود الفعل القادمة من باريس وبرلين وبروكسل على أن أوروبا أصبحت «أضعف من اللازم» في مفاوضاتها مع إدارة ترامب. ويرى محللو «معهد الدراسات الأمنية للاتحاد الأوروبي» أن ما يحدث حالياً يدفع القارة نحو «الاستقلال الاستراتيجي» بوتيرة متسارعة.

وبرز في هذا السياق الموقف الفرنسي، حيث يشدد الرئيس إيمانويل ماكرون على أن أمريكا «تتخلى تدريجياً» عن حلفائها، وأن على أوروبا بناء جيشها الخاص وحماية قطاعها التكنولوجي.

وبرأي مراقبين في «مجموعة أوراسيا» فإن الصراع حول غرينلاند قد يكون النقطة المفصلية التي تحوّل «الناتو» إلى حلف «أوروبي صرف»، مع انسحاب أو تهميش الدور الأمريكي. وبينما تحاول ألمانيا الحفاظ على قنوات الحوار، تشير الأفعال على الأرض إلى أن «الانفصال الاستراتيجي» قد بدأ بالفعل، وأن بروكسل تستعد لسيناريو تصادم تجاري وأمني غير مسبوق.

أما الخيارات العسكرية المتاحة لأوروبا لحماية سيادة غرينلاند، فهي محدودة للغاية، هذا إذا فكّر أحد بأن الخيار العسكري للحماية مطروح أصلاً، وبخاصة في وجه الولايات المتحدة.