تحل غداً الذكرى الرابعة لاندلاع الحرب الشاملة بين روسيا وأوكرانيا ، فيما لا تزال التساؤلات تطرح حول إمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب في أوكرانيا، في ظل اتساع الفجوة بين المواقف الأمريكية والروسية والأوروبية. حيث شهدت المفاوضات بشأن اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، التي تدفع بها الولايات المتحدة، بطئاً ملحوظاً رغم تعهدات متكررة من إدارة ترامب بإمكانية التوصل إلى اتفاق سريع. وانتهت الجولة الأخيرة من المحادثات، التي اختُتمت في وقت سابق هذا الأسبوع، من دون تحقيق اختراق، رغم أن سقف التوقعات كان منخفضاً.وبينما أعربت أجهزة الاستخبارات الأوروبية عن ارتياح محدود لصعوبة التوصل إلى اتفاق في 2026،
تظهر التصريحات الأمريكية متفائلة بإمكانية نجاح خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فهل ستكون الكلمة الأخيرة لترامب؟
مبادرة ترامب
طرحت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب رؤية لإنهاء الصراع تقوم على تنازل كييف عن أجزاء من أراضيها مقابل مظلة أمنية غربية تضمنها واشنطن، لكن التصريحات الصادرة عن القيادة الأوكرانية لا تؤكد استعداداً لقبول كثير من النقط العالقة بين الطرفين. وهنا يبرز التساؤل حول مآلات الصراع ومستقبله في 2026.
تسود حالة من التشاؤم في عواصم القارة الأوروبية بشأن مسار الحرب في أوكرانيا، في وقت تواصل فيه روسيا حملاتها العسكرية المكثفة ضد المواقع الأوكرانية، بينما تتوقف مفاوضات جنيف الأخيرة دون إحراز أي تقدم ملموس نحو تسوية شاملة. وبعيداً عن الصراع بين روسيا وأوكرانيا برزت توترات بين أوروبا وروسيا ولم تقتصر على ساحات القتال فقط، بل امتدت إلى مجالات السياسة والاقتصاد.
فقد هددت موسكو بنشر سفن حربية لحماية ما تسميه «أسطولها الظلي» ضد الإجراءات الأوروبية المتعلقة بمصادرة أو اعتراض ناقلات النفط الروسية، ما يضيف بعداً جديداً للتوتر بين الطرفين.في هذا المناخ، يحذر محللون من أن الخطاب المتشدد وتصاعد الإجراءات العسكرية والاقتصادية قد يقرب من تماس مباشر، لكن حسابات الردع المتبادل — خصوصاً في ظل الروابط الاقتصادية الأوروبية، الاعتماد على الطاقة، والقدرات النووية الروسية — لا تزال عاملاً حاسماً في منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
كما أن وعد أوروبا بضمانات أمنية لأوكرانيا وطلب تكثيف الدعم يشير إلى استمرار الرغبة في احتواء الحرب ضمن حدود معينة، دون الانزلاق إلى صدام شامل مع موسكو. النتيجة أن القارة تقف عند حافة توتر مرتفع: دعم واسع لكييف من دون رغبة معلنة في الحرب، وردع متبادل يمنع المواجهة... لكنه لا يضمن استحالتها.
تشاؤم عالمي متصاعد
يرى د. عمرو الديب، مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، أن المشهد الراهن للحرب في أوكرانيا والعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي يكتنفه تشاؤم عالمي متصاعد، مع تزايد المخاوف من انزلاق الصراع إلى مواجهة مباشرة.
ويضيف الديب أن هذه الخلافات ترتبط بالأساس بمسألة الأراضي التي استولت عليها روسيا، ومحاولات أوكرانيا المستمرة لاستعادتها، ما يجعل التوصل إلى أي اتفاق لوقف إطلاق النار، حتى مؤقتاً، أمراً صعباً للغاية.ويؤكد الديب أن الوضع بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك بين روسيا والاتحاد الأوروبي، يتجه نحو تفاقم التوتر السلبي. فالاتحاد الأوروبي، وليس حلف الناتو، أصبح أكثر تشددًا في موقفه، إذ لن يسمح بتمكين روسيا من تحقيق انتصار كامل في أوكرانيا.
وبالمثل، ترى القيادة الأوكرانية، بدعم من الدول الأوروبية الكبرى وبريطانيا، أن أي تنازل أمام روسيا سيكون غير مقبول، في حين ترفض القيادة الروسية تقديم أي تنازلات، معتبرة أن ذلك يمس الأمن القومي الروسي ومصالحها الاستراتيجية.وبناء على هذا التوازن المتشابك بين العناد الروسي والإصرار الأوروبي والأوكراني،
يرى الديب أن التشاؤم يتزايد، وسوء العلاقات يتصاعد، وسير الأحداث يسير في اتجاه سلبي. ويخشى أن يؤدي هذا الوضع إلى تصعيد قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهة مباشرة بين الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي، في ظل عدم وجود قنوات تفاوضية فعالة يمكنها كسر الجمود أو فرض حلول وسطية.
في خلاصة تحليله، يؤكد د. عمرو الديب أن احتمالية انزلاق الحرب في أوكرانيا إلى مواجهة مفتوحة بين روسيا وأوروبا ليست نظرية بعيدة، بل احتمال قائم يزداد مع كل يوم من استمرار الجمود العسكري والدبلوماسي، ما يجعل الموقف الأوروبي حذراً للغاية، ويضع المنطقة أمام سيناريوهات معقدة تتطلب إدارة دقيقة لتجنب أي تصعيد شامل.
حرب استنزاف
من جهته يرى محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة محمد الأول بوجدة، أن أوروبا تعيش في فبراير 2026 ما يمكن وصفه بـ«شتاء جيوسياسي» قاتم، بعدما تلاشت رهانات الحسم الأوكراني تحت وطأة حرب استنزاف تدخل عامها الخامس. موضحاً أن المعطيات الاستخباراتية واستطلاعات الرأي تعكس تراجع المزاج التفاؤلي الأوروبي، في ظل صمود الاقتصاد الروسي أمام موجات العقوبات المتتالية.
ويتضاعف القلق مع ضبابية الموقف الأمريكي خلال إدارة الرئيس ترامب، التي تميل إلى تسويات سريعة قد لا تنسجم بالكامل مع أولويات الأمن الأوروبي.لتبقى الكلمة الأخيرة لترامب.ويوضح بوبوش أن طبيعة الصراع تتجه بنيوياً نحو «الحروب الهجينة» لا المواجهة الشاملة؛ إذ إن أي وقف محتمل لإطلاق النار في أوكرانيا لن يعني نهاية النزاع، بل انتقاله إلى حالة «اللاحرب واللاسلم»، مع تصاعد مخاطر الشرارة العرضية بفعل غياب قنوات اتصال فعّالة واستمرار الهجمات السيبرانية والتخريبية.
«المنطقة الرمادية»
وفي هذا السياق، قد تُكثّف موسكو أدوات «المنطقة الرمادية» عبر استهداف البنى التحتية الحيوية واختبار الأجواء السيادية لدول البلطيق وفنلندا، وربما الإقدام على تحركات محدودة لاختبار مصداقية المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، مستفيدة من أي ارتباك في الالتزام الأمريكي.
ويضيف أن التشاؤم الأوروبي تغذّيه قناعة بأن أهداف روسيا تتجاوز أوكرانيا إلى إعادة صياغة هندسة الأمن القاري. ومع توقع تراجع عوائد الطاقة، قد تلجأ موسكو إلى التصعيد لتحسين شروطها التفاوضية، بينما تمضي أوروبا في تعزيز «الاستقلال الاستراتيجي» عبر رفع الإنفاق الدفاعي وتشديد العقوبات.ويخلص بوبوش إلى أن الردع المتبادل، خصوصاً النووي،
يظل صمام الأمان ضمن «مفارقة الاستقرار–عدم الاستقرار»: استقرار استراتيجي يمنع الحرب الكبرى لكنه يفتح الباب لنزاعات منخفضة الحدة.وبقدر ما يبقى تماسك «الناتو» قائماً، يظل التوازن هشاً؛ أما أي تصدّع في وحدة التحالف فقد يدفع نحو مرحلة أكثر خطورة في «حرب باردة جديدة» تتشكل ملامحها في أفق 2026.
