شهدت الساحة السياسية البريطانية تحولاً دراماتيكياً جديداً، بإعلان قصر باكنغهام، اليوم (الاثنين)، عن تعيين أندي بيرنهام رئيساً للوزراء بطلب من الملك تشارلز الثالث، وذلك في أعقاب تقديم كير ستارمر استقالته الرسمية من منصبه.
وجاء في بيان رسمي صادر عن القصر الملكي: «قبل النائب أندرو بيرنهام عرض الملك وقبّل يديه عند تعيينه رئيسًا للوزراء»، مضيفاً أن العاهل البريطاني طلب منه رسمياً تشكيل الحكومة المقبلة، ليصبح بيرنهام بذلك رئيس الوزراء السابع للمملكة المتحدة خلال عقد واحد مليء بالتقلبات السياسية العاصفة.
ودخل بيرنهام (56 عاماً) مقر "10 داوننغ ستريت" محملاً بآمال عريضة وتعهدات صارمة بـ«إعادة ضبط» مسار البلاد، والتركيز بشكل مباشر على الأزمات التي تؤرق المواطن البريطاني، وعلى رأسها أزمة تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة.
وتأتي خطوة تعيينه بعد أن ألقى سلفه كير ستارمر خطاب الوداع من أمام مقر رئاسة الوزراء وقدم استقالته للملك، لتبدأ فوراً المهمة الشاقة لهذا السياسي الذي اكتسب شعبية جارفة خلال مسيرته الحافلة.
وتعود الجذور السياسية والاجتماعية لرئيس الوزراء الجديد إلى بلدة عمالية في مرسيسايد، حيث ولد أندرو موري بيرنهام في يناير عام 1970، ونشأ في بيئة شكلت وعيه بضرورة الدفاع عن العدالة الاجتماعية والمناطق المهشمة خارج العاصمة.
وتلقى تعليمه في المدارس الحكومية المحلية قبل أن يلتحق بجامعة كامبريدج العريقة، حيث درس العلوم السياسية والاجتماعية، وهي المرحلة التي صقلت فكره السياسي ليلتحق سريعاً بحزب العمال في سن مبكرة، ويبدأ مسيرته المهنية كباحث ومستشار لعدد من أبرز قيادات الحزب في التسعينيات.
وفي عام 2001، حقق بيرنهام قفزة نوعية في مسيرته بانتخابه عضواً في البرلمان البريطاني ممثلاً عن دائرة "لي" (Leigh)، وهو المنصب الذي حافظ عليه لستة عشر عاماً متتالية بفضل قربه المستمر من القواعد العمالية.
وخلال عهدي توني بلير وغوردون براون، صعد نجمه سريعاً في الحكومة ليتولى حقائب وزارية ثقيلة وحساسة؛ فكان وزيراً للثقافة والإعلام والرياضة، ثم وزيراً للصحة، حيث خاض معارك دفاعاً عن النظام الصحي الوطني (NHS) ضد محاولات الخصخصة، كما ارتبط اسمه تاريخياً بدعمه المطلق لعائلات ضحايا كارثة ملعب "هيلزبره"، وكان له دور محوري في إعادة فتح التحقيقات لإنصاف الضحايا.
أما لقب «ملك الشمال» (King of the North)، الذي بات ملتصقاً باسم أندي بيرنهام كعلامة سياسية فارقة، فلم يكن مجرد وصف عابر، بل تحول إلى رمز للشعبوية العمالية والتمرد على مركزية القرار في العاصمة لندن؛ وهو لقب استعاره الشارع ووسائل الإعلام البريطانية من المسلسل الفانتازي الشهير «صراع العروش» (Game of Thrones)، ليعكس طبيعة المعارك الشرسة التي خاضها بيرنهام دفاعاً عن أقاليم الشمال الإنجليزي.
وقد وُلد هذا اللقب سياسياً في خريف عام 2020، إبان ذروة جائحة كورونا، عندما دخل بيرنهام، بصفته عمدة لمانشستر الكبرى، في مواجهة علنية ومباشرة حظيت بتغطية إعلامية واسعة ضد حكومة المحافظين المركزية برئاسة بوريس جونسون آنذاك.
ففي الوقت الذي حاولت فيه لندن فرض قيود إغلاق صارمة من "الدرجة الثالثة" على مدن الشمال بسبب تفشي الفيروس، وقف بيرنهام سداً منيعاً برفضه الانصياع للقرار ما لم تصاحبه حزمة دعم مالي عادلة وشاملة تحمي الشركات الصغيرة وتضمن أجور العمال والطبقات الكادحة التي كانت ستتضرر بشدة من الإغلاق.
ولم تكن تلك المواجهة مجرد خلاف حول أرقام الميزانيات، بل تحولت إلى منصة وطنية انتقد فيها بيرنهام ما وصفه بـ"غطرسة واستعلاء النخبة السياسية في لندن" وتجاهلها المستمر لمعاناة الأقاليم الشمالية مقارنة بالجنوب الثري.
وخلال مؤتمر صحفي تاريخي عقده في الهواء الطلق في قلب مانشستر، وأمام حشود من وسائل الإعلام، ظهر بيرنهام مدافعاً صلباً عن كرامة وحقوق الملايين من سكان الشمال، وهو الموقف الذي حظي باحترام واسع حتى من خصومه السياسيين، ورسخ صورته كزعيم شعبي قادر على مقارعة السلطة المركزية.
وبمرور الوقت، تحول وصف «ملك الشمال» من مجرد كنية ارتبطت بأزمة الجائحة إلى عقيدة سياسية تبناها بيرنهام في مشروعه اللامركزي؛ حيث نجح خلال سنوات حكمه لمانشستر الكبرى (منذ انتخابه لأول مرة عام 2017) في انتزاع صلاحيات واسعة في مجالات الإسكان، والتعليم المهني، وتطوير البنية التحتية، فضلاً عن ثورته التاريخية في إعادة تأميم قطاع النقل والمواصلات بالمدينة عبر مشروع "شبكة النحل" (Bee Network) لربط الحافلات والترام، وهي خطوة غير مسبوقة خارج لندن منذ ثمانينيات القرن الماضي.
واليوم، تنتظر رئيس الوزراء الجديد قائمة طويلة ومعقدة من المشكلات الهيكلية بمجرد الكشف عن تشكيلة حكومته، والتي أثارت بالفعل حزمة من الخلافات والجدل الحاد داخل أروقة حزب العمال الحاكم.
وتشمل هذه الملفات الساخنة ضعف أداء شركات المرافق العامة والنمو الاقتصادي المتباطئ، إلا أن بيرنهام يبدو عازماً على استغلال خطابه الأول لرسم مسار واضح نحو «سياسة أكثر استقراراً ومسؤولية»، بعد أن وصف انتخابه لزعامة الحزب يوم الجمعة الماضي بأنه «أهم لحظة تغيير في سياستنا منذ 40 عاماً»، متعهداً بإحداث ثورة في النظام السياسي لتصبح الحياة في بريطانيا «أكثر يسراً».
وسيكون التحدي الفوري والأول أمام إدارة بيرنهام هو تعيين فريق حكومته، لا سيما حقيبة وزارة المالية (مستشار الخزانة)، وهو الملف الحاسم الذي تسببت الخلافات حوله في إطاحة إدارات سابقة.
وفي تعليق لها على التوجهات المقبلة، أكدت لوسي باول، نائبة زعيم حزب العمال والحليفة المقربة من بيرنهام، أن رئيس الوزراء الجديد يريد إعادة تركيز موارد الدولة وإعادة ترتيب أولوياتها بشكل كامل، لتوجيه اهتمام الحكومة بأكملها نحو معالجة أزمة معيشة المواطنين، وإعادة ضبط بوصلة الاقتصاد الوطني بما يخدم الطبقات العاملة التي يمثلها، لينتقل بذلك فكر "ملك الشمال" من شوارع مانشستر إلى قلب القرار في لندن.