دبي - البيان ووكالات

تحوّلت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، منذ يومها الأول، إلى اختبار سياسي وعسكري واسع للحلف، في ظل غضب أمريكي معلن من موقف عدد من الحلفاء خلال الحرب على إيران، ومساعٍ أوروبية لإظهار جدية أكبر في زيادة الإنفاق الدفاعي، بالتزامن مع بحث أزمة مضيق هرمز وإمكان إطلاق مهمة بحرية متعددة الجنسيات ترفضها طهران حتى الآن.

ووصل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى العاصمة التركية للمشاركة في القمة التي تستمر أعمالها يومين في القصر الرئاسي التركي، وسط أجواء مشحونة داخل التحالف، بعدما عبّر عن «خيبة أمل عميقة» من موقف الناتو، خلال الحرب على إيران.

وقال ترامب، خلال لقائه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنه شعر بخيبة أمل من الحلف، مضيفاً أنه «لو لم تُعقد القمة في تركيا، ربما لم أكن لأشارك فيها».

وأوضح ترامب، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، أن واشنطن لم تكن تريد مساعدة عسكرية مباشرة، لكنه كان، بحسب تعبيره، «يختبر» الحلفاء لمعرفة ما إذا كانوا سيقفون إلى جانب الولايات المتحدة، بعدما وقفت واشنطن إلى جانبهم في السابق.

وجاءت هذه التصريحات بعد أسابيع من توتر داخل «الناتو»، على خلفية امتناع بعض الدول الأوروبية عن تسهيل استخدام قواعدها أو أجوائها في العمليات الأمريكية المرتبطة بالحرب على إيران.

اجتماع أوروبي خليجي

وفي موازاة أعمال القمة حضرت إيران بقوة على هامشها من بوابة مضيق هرمز، فقد اجتمع وزراء خارجية دول «الناتو» مع نظرائهم من دول خليجية، بينها الإمارات والبحرين والكويت وقطر، لبحث أزمة فتح المضيق ومقترح فرنسي - بريطاني لإطلاق مهمة بحرية متعددة الجنسيات، وفق ما نقلته رويترز.

وقال وزير الخارجية البلجيكي، ماكسيم بريفو، قبل الاجتماع إن الإمارات والبحرين والكويت وقطر «استُهدفت بشكل مباشر بهجمات إيرانية هذا الربيع»، معتبراً أن استقرار هذه الدول واستقرار أوروبا «مرتبطان ارتباطاً وثيقاً»، وأن الأمر يتجاوز مضيق هرمز، رغم أهميته لأمن الطاقة الأوروبي.

وعرضت فرنسا وبريطانيا، خلال المحادثات، خططاً لمهمة بحرية متعددة الجنسيات في مضيق هرمز، في وقت تقودان فيه جهوداً لتشكيل تحالف يضم نحو 12 دولة لضمان العبور الآمن في الممر الحيوي، بعد تراجع التوتر أو التوصل إلى تسوية، غير أن دبلوماسيين أشاروا إلى أن أي ترتيب طويل الأمد سيحتاج في النهاية إلى موافقة إيران، التي ترفض مراراً أي وجود عسكري أجنبي في المنطقة.

وكانت طهران قد رفضت الأسبوع الماضي تصريحات للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن المضي في المهمة البحرية، كما أعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، أن المحادثات الرامية إلى اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن لن تبدأ إذا استمرت التهديدات الأمريكية.

عقود دفاعية

وعلى وقع هذه الخلافات حاول الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، على ما يبدو تهدئة ترامب الغاضب بسبب موقف الحلف من حرب إيران، عبر الإعلان عن عقود دفاعية بمليارات الدولارات تهدف إلى تعزيز قدرات الحلف وإقناع واشنطن بأن الأوروبيين وكندا يتحملون قسطاً أكبر من الأعباء. وقال روته إن الدول الأعضاء وشركات على جانبي الأطلسي ستوقع عقوداً «بمليارات الدولارات».

فيما أشار دبلوماسي في «الناتو» إلى أن القيمة الإجمالية للعقود تتخطى 50 مليار دولار. وتسلط تصريحات روته في مستهل القمة الضوء على التزامات الدول الأوروبية بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهي قضية محورية بالنسبة لترامب، الذي وجه انتقادات متكررة للحلف، ودعا أعضاءه إلى «بذل المزيد من الجهد».

وقال روته: «قبل عام واحد في لاهاي تعهد الحلفاء بالاستثمار بشكل أكبر بكثير في الدفاع، بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، ونحن بالفعل نحرز تقدماً ملحوظاً».

وأعلن روته إضافة طائرة عاشرة من طراز «إيرباص A330 MRTT» إلى أسطول الحلف متعدد الجنسيات للتزود بالوقود والنقل الجوي، إلى جانب مشروع متعدد الجنسيات يشمل طائرات «A400M».

كما كشف عن عقد رئيسي يشمل شركة «ساب» السويدية لاستبدال طائرات الاستطلاع «أواكس» التابعة لـ«الناتو» بعشر طائرات من طراز «غلوبال آي».

وفي ملف الطائرات المسيرة، أعلن روته أن الحلفاء يعتزمون استثمار أكثر من 40 مليار دولار في قدرات مكافحة الطائرات المسيرة خلال الأعوام الخمسة المقبلة، مشيراً إلى أن «الناتو» يوسع قدراته على نشر وتشغيل المسيرات، وفي الوقت نفسه يبني دفاعات مضادة لرصدها وتحييدها.

زيادة الإنفاق الدفاعي

وتأتي هذه الإعلانات ضمن مسعى أوسع لزيادة الإنفاق الدفاعي داخل الحلف. فقد تعهد أعضاء «الناتو» العام الماضي برفع الإنفاق المرتبط بالدفاع والأمن إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بينها 3.5% للاستثمارات الدفاعية الأساسية و1.5% لبنود أمنية مرتبطة بالدفاع. وقال روته إن الحلفاء الأوروبيين وكندا زادوا إنفاقهم بالفعل إلى نحو 4% من ناتجهم المحلي الإجمالي، مؤكداً أن الحلف يشهد «تقدماً تحولياً ملموساً».

وأبلغت ألمانيا الحلف بأن إنفاقها الدفاعي للعام الجاري بلغ 124.7 مليار يورو، بزيادة نسبتها 25.5% مقارنة بالعام الماضي، لتصبح ثاني أكبر دولة إنفاقاً على الدفاع داخل «الناتو» بعد الولايات المتحدة.

كما أعلنت الحكومة التشيكية زيادة موازنة الدفاع بما يتيح لها بلوغ هدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي للمرة الأولى. ورحب وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، بالقرار، واصفاً إياه بأنه محطة بارزة في تعزيز الأمن عبر الأطلسي. لكن هذه الصفقات لم تحجب عمق أزمة الثقة بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.

فقد لوّح ترامب، خلال لقائه أردوغان، بإمكان سحب جميع الجنود الأمريكيين من أوروبا، في سياق حديثه عن جرينلاند، قائلاً إن السيطرة عليها «ينبغي أن تؤول إلى أمريكا لا إلى الدنمارك»، معتبراً أنها محاطة بسفن صينية وروسية.

ورداً على سؤال بشأن خفض إضافي للقوات الأمريكية في أوروبا، اكتفى بالقول: «سنرى». أما أوكرانيا فحضرت كملف ثانٍ ضاغط على القمة. حيث أعرب المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن أمله في أن تبعث القمة رسالة قوية لدعم كييف، محذراً من أن روسيا لا تزال تمثل تهديداً خطيراً عبر الهجمات الإلكترونية والتخريب والتجسس وحملات التضليل.