تحاول الولايات المتحدة تبرير استيلائها على ناقلة نفط مرتبطة بروسيا بإثارة خلاف حول اسم السفينة، والقول إنها لا ترفع علماً، فيما ترى موسكو التي اتهمتها بإثارة التوترات وتهديد حركة الملاحة الدولية، أن هذه العملية تنطوي على أهداف أبعد، وتداعيات أخطر.
تستخدم واشنطن الخلاف بشأن اسم الناقلة ووضعها القانوني، في محاولة لشرعية العملية، إذ تطلق موسكو على السفينة اسم «مارينيرا» وتؤكد حصولها على ترخيص مؤقت للإبحار تحت العلم الروسي في 24 ديسمبر. لكن بالنسبة لواشنطن، تُسمى السفينة «بيلا 1»، ولا ترفع علماً بعد أن أبحرت تحت علم مزيف، وتعتبرها جزءاً من «الأسطول الشبح» المستخدم لنقل النفط الفنزويلي المستهدف بعقوبات أمريكية.
موسكو رفضت الاتهامات بأن السفينة تبحر تحت علم مزيف، وقالت إنها قدمت مراراً «معلومات موثوقة» حول ملكية الناقلة لجهة روسية ووضعها القانوني. كما جددت التأكيد أن القانون الدولي ينص «صراحة» على أن السفن في أعالي البحار تقع تحت الولاية القضائية الحصرية لدولة العلم.
لكن التداعيات الجيوسياسية لهذه العملية أبعد من النفط؛ وتهدف عملياً -بنظر موسكو والعديد من المراقبين- إلى فرض الهيمنة على سلاسل الإمداد النفطية، والسيطرة على تدفقات الطاقة الحيوية للدول المنافسة. واستعراض موسكو لقدراتها البحرية لحماية السفينة يظهر استعدادها لاستخدام القوة عند الضرورة، ما يجعل الحادثة اختباراً لقدرة واشنطن على فرض إجراءاتها من دون تصعيد مباشر. كما أن استمرار هذه المواجهات يهدد بتآكل الثقة في النظام الدولي، وإعادة العلاقات الدولية إلى ما يشبه شريعة الغاب، حيث تصبح السيادة البحرية والتجارة العالمية رهينة القوة العسكرية والتفسير المتباين للقانون الدولي.
ويرى دينيس كوركودينوف، رئيس المركز الدولي للتحليل السياسي الروسي، أن الدافع الحقيقي لعملية الاستيلاء الأمريكية على «مارينيرا» هو النفط والجغرافيا السياسية للطاقة العالمية، مشيراً إلى أن ما جرى يأتي في سياق سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للسيطرة الكاملة على الموارد النفطية الفنزويلية.
وفي تصريح خاص لموقع نيوز رووم، أضاف كوركودينوف، أن سبب العملية أيضاً هو استفزاز موسكو واختبار رد فعلها، موضحاً أن روسيا أرسلت سفناً حربية، بينها غواصة، لمرافقة الناقلة، ورغم ذلك نفذت القوات الأمريكية عملية الصعود عليها، في محاولة لدفع موسكو إلى خيارين أحلاهما مر؛ إما المواجهة المباشرة أو القبول بالإهانة.
وحذر من أن هذه الخطوة ستقود إلى تداعيات جيوسياسية عميقة، تبدأ بانهيار ما تبقى من الثقة بين واشنطن وموسكو، وتمر بتصعيد عسكري بحري عالمي، ولا تنتهي عند إدخال الممرات البحرية الرئيسية في سباق عسكرة خطير.
وأضاف أن موسكو مارست كل أدواتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتتخذ إجراءات عملية لحماية سفنها، مضيفاً أن الرد لن يكون رمزياً، بل غير متماثل ومدروس، وفي التوقيت الذي تختاره روسيا.
وختم رئيس المركز الدولي للتحليل السياسي الروسي بالتأكيد على أن العالم يقف على حافة انهيار النظام الدولي، وأن ما جرى ضد «مارينيرا» وما سبقه في فنزويلا يعيد العلاقات الدولية إلى عصر شريعة الغاب، مضيفاً: «روسيا لا تنوي العيش وفق هذه القواعد، ولدينا الإرادة والقدرة على الدفاع عن سيادتنا ومصالحنا، ونحذر من أن استمرار هذا المسار الأمريكي سيقود إلى تصعيد لا يمكن احتواؤه ولن يكون فيه رابحون».
ويحذر خبراء من أن هذه العملية قد تصبح سابقة تؤثر على حرية الملاحة الدولية وتعيد صياغة قواعد العقوبات البحرية في أعالي البحار.
النتيجة المتوقعة وفق تحليلات الخبراء أن هذا الحادث سيمثل نقطة تحول في مفهوم السيادة البحرية وتطبيق العقوبات الدولية، وأن التباين بين التفسير الأمريكي والروسي، في قضايا مشابهة، قد يؤدي إلى توتر أكبر، وربما إلى ما هو أشد خطورة.
