يبدو أن الآمال التي كانت معقودة على محادثات ميامي لتحقيق اختراق حقيقي في مسار السلام بأوكرانيا، قد تراجعت نسبياً، بعد الاتهامات التي أطلقتها روسيا بشأن استهداف أحد مقار الرئيس فلاديمير بوتين من جانب القوات الأوكرانية، في تطور أعاد خلط الأوراق السياسية والعسكرية، وألقى بظلال كثيفة من الشك على فرص نجاح الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

هذه الاتهامات، التي شككت أجهزة الاستخبارات الأميركية في دقتها وصحة روايتها، أضافت بعداً جديداً للأزمة، ورفعت منسوب التوتر بين موسكو وكييف، في توقيت حساس تزامن مع تحركات أميركية مكثفة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة تفاوضية عبر جولة المحادثات التي احتضنتها مدينة ميامي بولاية فلوريدا.

ويبدو أن موسكو مصرّة على التصعيد، حيث قالت إنها استخرجت وفككت تشفير ملف من طائرة مسيرة أوكرانية أسقطت في الأيام القليلة الماضية، مشيرة إلى أنه أظهر أنها كانت تستهدف مقر إقامة ​رئاسي روسي وأنها ستسلم المعلومات ذات الصلة ‌إلى الولايات المتحدة.

ويبدو أن هذه المعطيات قد تعيد محادثات السلام إلى الوراء بعدما قالت روسيا إن الحادثة ستؤثر على مسعى السلام وإنه «سيتم نقل هذه المواد إلى الجانب الأميركي من خلال القنوات المعمول بها».

وكانت المحادثات التي ضمت وفوداً من الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا، في ميامي رافقتها لقاءات أميركية - روسية منفصلة، هدفت إلى تقارب وجهات النظر حول وقف إطلاق النار وسبل تحقيق تفاهمات سياسية محتملة، في إطار جهد دولي لإيجاد مخرج للنزاع المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات.

وبحسب ما أعلنت واشنطن وكييف، فقد كانت الاجتماعات «مثمرة وبناءة»، مع إعداد عدة مسودات وثائق تتعلق بأطر إنهاء الحرب، والضمانات الأمنية، وخطط الانتعاش الاقتصادي لأوكرانيا، مع التركيز على أهمية توافق أكبر بين الولايات المتحدة، وأوكرانيا، وروسيا لوضع حد للنزاع. لكن يبدو أن هذا التفاؤل قد لا يصمد أمام التطورات الجديدة بعد حديث روسيا عن محاولة أوكرانية لاستهداف مقر بوتين.

مسار هش

ويؤكد محللون أن الجلسات لم تؤدِ حتى الآن إلى اختراق حاسم أو اتفاق شامل، إذ لا تزال هناك خلافات جوهرية حول مسائل مثل الحدود الإقليمية، والضمانات الأمنية، وبقاء أوكرانيا كدولة ذات سيادة مستقلة ضمن هياكل أمنية غربية.

ويرى بعض المراقبين أن الاتفاق على نقاط مشتركة في ميامي يمثل خطوة أولية نحو وقف النزاع، لكنه يظل هشاً في ظل استمرار التصعيد العسكري على الأرض، بما في ذلك الهجمات الروسية المكثفة على البنية التحتية الأوكرانية والتبادلات النارية المتواصلة، والتي تعيد طرح تساؤلات حول جدوى المبادرات الدبلوماسية في تحقيق سلام مستدام.

قراءة روسية

ويرى الخبير السياسي الروسي تيمور دويدار أن استراتيجية الأمن القومي الأميركي الأخيرة تكشف تحولات عميقة في مقاربة واشنطن تجاه روسيا وأوروبا وأوكرانيا.

مشيراً إلى أن بنود الاستراتيجية الخاصة بروسيا والاتحاد الأوروبي تُظهر تعاوناً تجارياً مع روسيا، مقابل انتقادات واسعة للاتحاد الأوروبي وآليات إدارته، وقلقاً أميركياً متزايداً حيال مستقبل القارة.

ويذهب دويدار إلى أن التشابه في وجهات النظر بين الرئيسين الروسي والأميركي بات واضحاً، ويمثل نوعاً من التقاطع الاستراتيجي للمصالح، مع الإشارة إلى أن العقل الأساسي الذي يواجه الطرفين هو منظومة الاتحاد الأوروبي نفسها.

استراحة محارب

بدوره، يرى الدكتور محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول، أن جولة المفاوضات في ميامي جاءت في إطار تحرك دبلوماسي أميركي مكثف لاحتواء التصعيد، عبر لقاءات ثنائية مع الوفدين الأوكراني والروسي، وصفت بأنها مثمرة.

وتركزت على إعداد خطة سلام معدلة تضم نحو عشرين نقطة، تشمل الضمانات الأمنية وبرامج إعادة إعمار أوكرانيا، إلى جانب مقترح أميركي لإنشاء آلية محادثات ثلاثية على مستوى مستشاري الأمن القومي.

لكن بوبوش يشير إلى أن هذه التفاهمات لا تمثل اختراقاً جوهرياً باتجاه سلام دائم، بل محاولة لإدارة النزاع أكثر من حله جذرياً. فالنتائج كانت إيجابية ولكن ضمن حدود ضيقة، مع اعتماد الإدارة الأميركية على استراتيجية «القمم العاجلة» لتهدئة بؤر التوتر مؤقتاً، مع التركيز على ملفات عملية مثل الضمانات الأمنية وآليات التمويل، وتجنب القضايا الجوهرية المعقدة مثل السيطرة الإقليمية.

على الأرض

من جانبه، يرى الباحث السياسي في المدرسة العليا للاقتصاد بموسكو الدكتور رامي القليوبي، أن الأمور لا تزال عالقة، وستتعقد أكثر بعد الاتهامات الأخيرة، وأن أي اتفاق أو محادثات لإنهاء الحرب لا يبدو قريباً.

ويستند إلى البنود التي قدمها الرئيس الأوكراني زيلنسكي، والتي تعتمد على دعم أميركي، وتشمل تجميد النزاع على خطوط التماس الحالية، وهو ما ترفضه روسيا رفضاً قاطعاً، معتبرة أن تجميد النزاع لا يخدم مصالحها، بل تؤكد موسكو على السيطرة الكاملة على دونيتسك كهدف استراتيجي

ويختم بالقول إن عام 2025 خيب آمال المراقبين الذين كانوا يعولون على إنهاء الحرب مع وصول ترامب إلى الحكم، لكن الواقع الميداني والتباين العميق بين موسكو وكييف جعلا هذا الأمل يتبدد، والدخول إلى 2026 بمشهد أكثر حدة وتعقيداً.

سلام بعيد وهدنة محتملة

ويبقى المشهد الدولي هشاً، والتفاهمات التي أنجزت في ميامي خطوة إيجابية ضمن مسار دبلوماسي نشط، لكنها لا تفتح الباب أمام سلام دائم في القريب العاجل.

ومع استمرار العمليات العسكرية وغياب ضمانات ملموسة، قد نشهد هدنة مؤقتة أو وقف إطلاق النار، لكن السلام الحقيقي يتطلب تنازلات متبادلة وآليات تنفيذ واضحة، وهو ما يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن، ما يحافظ على الصراع مفتوحاً على احتمالات الاستمرار أو التجميد دون حل نهائي لا سيما بعد حادث استهداف مقر بوتين.