إعلان وزارة الدفاع الروسية إدخال منظومة صواريخ «أوريشنيك» الباليستية فرط الصوتية، الخدمة القتالية في بيلاروس، يشكل تطوراً لافتاً في مسار لعبة شد الحبال بين روسيا والغرب. ورغم عمق البعد العسكري لهذه الخطوة إلا أنها تحمل دلالات سياسية واستراتيجية أعمق تتصل بإعادة تشكيل خرائط الردع في أوروبا الشرقية.
الخطوة الروسية ليست معزولة عن السياق الأوسع للصراع، إذ يرى مراقبون أن موسكو تسعى إلى نقل جزء من ثقلها الردعي خارج حدودها المباشرة، في رسالة واضحة مفادها أن ساحة المواجهة لم تعد محصورة في أوكرانيا وحدها، بل باتت تمتد إلى المجال الحيوي المحيط لحلف الناتو.
ويشير خبراء إلى أن «نشر منظومات صاروخية متقدمة في بيلاروس يهدف إلى تقليص هامش المناورة لدى الناتو ورفع كلفة أي تحرك عسكري محتمل بالقرب من الحدود الروسية».
عمق استراتيجي
ويكتسب اختيار بيلاروس دلالته من كونها تحولت منذ سنوات، عملياً، إلى عمق استراتيجي للقرار العسكري الروسي، بعدما تجاوزت دور الحليف السياسي إلى موقع الشريك العملياتي. فوجود منظومة قتالية من طراز «أوريشنيك» على أراضيها يعزز اندماجها في العقيدة الدفاعية الروسية، ويجعل أي تهديد لها بمثابة تهديد مباشر لموسكو نفسها.
لذلك فإن التموضع الروسي الجديد يكرس واقعاً جيوسياسياً مختلفاً، تصبح فيه بيلاروس جزءاً من شبكة الردع الروسية وليس مجرد دولة داعمة.
في بيلوروسيا يعتبرون أن تموضع منظومة مثل «أوريشنيك» الاستراتيجية على أرضهم، يعني عملياً أن أمن بيلاروس بات جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الدفاعية الروسية، وأن أي تهديد لها سيقرأ في موسكو كتهديد مباشر للأمن القومي الروسي.
رسالة سياسية
ولم يكن الطابع الاحتفالي الذي رافق الإعلان مجرد تفصيل شكلي أو استعراض بروتوكولي، بل رسالة سياسية محسوبة بدقة، بحيث تعكس رغبة موسكو في إظهار الجاهزية والقدرة على نقل منظوماتها النوعية خارج الحدود الروسية البرية، من دون خشية من الضغوط الغربية.
ويهدف هذا الاستعراض إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، تقوم على أن أي توسع عسكري لحلف الناتو شرقاً سيقابل بخطوات مقابلة لا تقل حضوراً ولا فاعلية.في الغرب يقرأون الخطوة الروسية باعتبار أنها تعكس سعياً لإعادة ضبط قواعد الاشتباك غير المعلنة مع «الناتو»، من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة، عبر استخدام أدوات الردع النفسي والسياسي إلى جانب العسكري.
ويرون أن الإعلان العلني عن دخول المنظومة الخدمة يحمل بعداً ردعياً يفوق أهميته العملياتية.وتبدو الخطوة الروسية أيضاً اختباراً مقصوداً لردود الفعل الغربية، سواء على مستوى الخطاب السياسي أم التحركات العسكرية الميدانية. فموسكو تراقب بدقة ما إذا كان الغرب سيكتفي بالإدانة، أم سيتجه نحو تعزيز وجوده العسكري في دول الجوار، أم سيحاول احتواء التصعيد عبر قنوات تواصل غير معلنة.
خرائط الردع
في المشهد الراهن، ورغم ما يبدو عليه من سخونة، فإن إدخال منظومة «أوريشنيك» إلى الخدمة القتالية في بيلاروس، لا يعكس استعداداً لمواجهة فورية بقدر ما يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تعاد فيها صياغة خرائط الردع وتوازنات القوة. إنها رسالة مفادها أن خطوط التماس لم تعد ثابتة، وأن الجغرافيا السياسية في شرق أوروبا باتت ساحة مفتوحة لإعادة التموضع، في صراع طويل النفس لا تحسم فصوله بالسرعة التي يتوقعها كثيرون.