​بينما تفيض خزائنهم بملياراتٍ قياسية، وتتهاوى سطوتهم أمام إرادةٍ سياسية، سجل عدد المليارديرات في روسيا رقماً غير مسبوق؛ لكنه ثراءٌ يفتقد إلى بريق النفوذ، وعظمةٌ ترزح تحت وطأة القيود.

هؤلاء هم "الأوليغارش"؛ أباطرة المال الذين ظنوا يوماً أنهم يملكون من الأقدارِ مفاتيحاً فريدة، قبل أن يروضهم بوتين بمعادلةٍ صارمة: "لكم المال لتجمعوه، ولنا القرار لتصنعوه".

​في خضم الحرب المستعرة مع أوكرانيا، سجل عدد المليارديرات في روسيا رقماً قياسياً غير مسبوق، لكن المفارقة تكمن في أنه خلال الأعوام  التي قضاها فلاديمير بوتين في السلطة، فقد هؤلاء الأثرياء والنافذون نفوذهم السياسي بالكامل تقريباً.

وتعد هذه التطورات أخباراً جيدة للرئيس الروسي؛ إذ فشلت العقوبات الغربية في تحويل فئة الأثرياء إلى معارضين له، بل إن سياساته التي اعتمدت على مبدأ "العصا والجزرة" حولتهم إلى داعمين صامتين.

​ولفهم هذا التحول، يجب العودة إلى جذور "الأوليغارشية" التي وُلدت من رحم الفوضى عقب تفكك الاتحاد السوفيتي؛ حينها برزت حفنة من المغامرين الذين "اشتروا الدولة" بأسعارٍ زهيدة، مستغلين خصخصةً متسارعة حولت قادة الصناعة السوفييتية إلى ملوكٍ للنفط والمعادن والمال.

في تلك الحقبة، لم تكن السلطة هي من تمنح المال، بل كان المال هو من يصنع السلطة ويجلسها على عرش الكرملين.

لكن بمجرد وصول بوتين، قلبت "المقايضة الكبرى" الموازين؛ فاستُبدل جيل "الأباطرة المستقلين" الذين هندسوا السياسة، بجيل "الأثرياء التابعين" الذين يديرون الثروة كأمانةٍ مؤقتة، يملك الكرملين حق استردادها في أي لحظة يختل فيها ميزان الولاء.

  والدليل عل ى ذلك يبرز فى قصة الملياردير السابق في قطاع البنوك، أوليغ تينكوف،ففي اليوم التالي لانتقاده الحرب ووصفها بـ "المجنونة" في منشور على إنستغرام، تواصل الكرملين مع مديري شركته وأبلغهم بأن "بنك تينكوف" سيتم تأميمه ما لم تُقطع كافة الروابط مع مؤسسه.

وبالفعل، بيع البنك بـ 3% فقط من قيمته الحقيقية لشركة مرتبطة بـ "فلاديمير بوتانين"، خامس أغنى رجل في روسيا، ليخسر تينكوف نحو 9 مليارات دولار ويغادر البلاد مطروداً.

​ وتاريخيا كان بوريس بيريزوفسكي، أقوى أباطرة التسعينيات، يزعم أنه هو من هندس صعود بوتين عام 2000، قبل أن ينتهي به المطاف ميتاً في ظروف غامضة بمنفاه البريطاني عام 2013  .

وبموت بيريزوفسكي، ماتت الأوليغارشية بمفهومها القديم، وهو ما اتضح جلياً عندما استدعى بوتين أثرياء روسيا للكرملين ليلة  24 فبراير 2022؛ حيث ظهروا بوجوه شاحبة ومنهكة من قلة النوم، ولم يكن بوسعهم الاعتراض حين أُبلغوا بضرورة العمل في "الظروف الجديدة"، رغم إدراكهم أن ثرواتهم ستتلقى ضربة قاصمة.

​ورغم أن أعداد المليارديرات تراجعت في العام الأول للحرب  وفقدوا مجتمعين نحو 263 مليار دولار، إلا أن السنوات التالية أثبتت أن الانخراط في "اقتصاد الحرب" يحمل فوائد هائلة؛ فقد أدى الإنفاق العسكري البذخ إلى نمو اقتصادي تجاوز 4% في عامي 2023 و2024.

ووفقاً لمجلة فوربس، فإن أكثر من نصف المليارديرات الروس لعبوا دوراً في إمداد الجيش، مما رفع عددهم هذا العام إلى مستوى قياسي بلغ 140 مليارديراً بإجمالي ثروة قدره 580 مليار دولار.

وبسبب العقوبات الغربية التي جمدت الأصول وصادرت الممتلكات في الخارج، وجد الأثرياء أنفسهم مضطرين للاحتماء بالدولة، مما ساعد بوتين في الواقع على تعبئة أموالهم لدعم اقتصاد الحرب بدلاً من تحريضهم ضده.

​لقد أدى خروج الشركات الأجنبية من روسيا إلى خلق فراغ سارعت النخبة التجارية الموالية للكرملين لملئه عبر شراء أصول مربحة بأسعار زهيدة، مما خلق "جيشاً جديداً من الموالين" الذين يرتبط مستقبلهم المادي باستمرار المواجهة مع الغرب، بل إن أكبر مخاوفهم الآن هي عودة الملاك الأصليين لهذه الشركات.

وفي عام 2024 وحده، ظهر 11 مليارديراً جديداً في روسيا بفضل هذه الآلية، مما يؤكد أن  الرئيس الروسي حافظ على قبضة حديدية على مراكز القوى المالية في البلاد، ليس فقط رغم الحرب والعقوبات الغربية، بل في كثير من الأحيان بفضلهما؛ حيث أصبح التمرد مستحيلاً مادياً وسياسياً، وباتت الثروة في روسيا رهينةً بالولاء المطلق للكرملين.