عادت منطقة كالينينغراد الروسية المعزولة إلى دائرة الضوء مرة أخرى، بثوب جديد يحمل التهديد النووي، قد يكون سلاحاً رادعاً للسيطرة على مسار التصعيد بين روسيا أو الناتو أو يكون بمثابة شرارة حرب قد تؤدي إلى انفلات الوضع لا سيما بعد انهيار منظومة الحد من الأسلحة النووية «نيو ستارت» في 5 فبراير 2026، من دون أن تحل محلها معاهدة جديدة ملزمة.

تُوصف كالينينغراد بأنها «خاصرة موسكو المتقدمة»، وأخطر بؤر التوتر الجيوسياسي بين روسيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو».

تعود هذه الأهمية القصوى لأبعاد عسكرية وجغرافية عدة، وأصبح الجيب الروسي في خاصرة الكتلة الأوروبية مصدر تخوف بالنسبة للدول المحاذية له: بولندا ودول البلطيق، كما يخلق إشكالات أمنية حقيقية بالنسبة لاستراتيجيات دفاع الناتو والاتحاد الأوروبي،خصوصاً مع التصعيد الحاصل في كييف وتعزيز موسكو وجودها على أراضي بيلاروسيا.

الحدود الفاصلة

التحذير الأخير من استعداد موسكو لاستخدام «كامل ترسانتها»، بما فيها الأسلحة النووية، إذا حاول حلف شمال الأطلسي عزل جيب كالينينغراد عن بقية الأراضي الروسية، يفتح مجدداً السؤال حول الحدود الفاصلة بين الردع النووي والابتزاز الاستراتيجي: هل هو مجرد أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض مع أوكرانيا أو يحمل بذور صراع جديد في البلطيق؟

وتابع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أول من أمس، مناورات عسكرية، شارك فيها آلاف الجنود، في منطقة جبال الأورال، وذلك بعد أيام من تصاعد التوتر بين موسكو و «الناتو» بشأن جيب كالينينغراد الروسي.

وزار بوتين ميدان رماية في منطقة تشيليابينسك لمتابعة المرحلة النهائية من مناورات «المركز - 2026» في رسالة واضحة للناتو أنه يقف بنفسه على أي خطوة عسكرية، فالتهديد الروسي يعكس هذه المرة ارتفاع مستوى التصعيد خصوصاً أن كالينينغراد تقع بين بولندا وليتوانيا، العضوين في الناتو، وهو بمثابة محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة على أوروبا، وإعادة ضبط حسابات الردع المتبادل لمنع انتقال المواجهة مباشرة إلى داخل الأراضي الروسية.

سياسياً، ينقل هذا الخطاب النقاش من مقدار الدعم المقدم لأوكرانيا إلى التكلفة، التي قد تتحملها أوروبا إذا انتقلت المواجهة إلى روسيا مباشرة.

رسالة روسية

الرسالة الروسية تبدو واضحة بأنه لا ينبغي التفكير بسهولة في عزل كالينينغراد أو إسقاطها من الحسابات الاستراتيجية الروسية، نظراً لموقعها داخل قلب منطقة البلطيق، وقربها من عدد كبير من الدول الأوروبية، ولا شك في أن مستوى التلاسن الحالي حول كالينينغراد يعكس أسوأ مراحل العلاقات بين روسيا والغرب منذ حقبة الحرب الباردة، وسط تحذيرات جادة من أن أي «سوء تقدير» ميداني قرب هذا الإقليم قد يجر الطرفين إلى مواجهة نووية، لا سيما أن أن الردع المتبادل حين يقترن بتوسع الاحتكاك قد يجعل الخطأ في تقدير نيات الطرف الآخر بوابة، لتصعيد يتجاوز أهداف أصحابه، لا سيما إذا اعتقد الطرف الآخر أن خطوات الخصم تمثل تمهيداً لهجوم واسع، فقد يرفع جاهزيته العسكرية، وبين القراءتين يمكن أن تتسع مساحة الخطأ.

لم يعد السلاح النووي في الخطاب الروسي مجرد إرث من زمن الحرب الباردة، بل عاد خلال السنوات الأخيرة، ليؤدي وظيفة سياسية وعسكرية متقدمة في إدارة الصراع مع الغرب، فلغة التهديد بالنووي ليست جديدة في التاريخ الروسي مع أزمة القرم عام 2014، عاد النووي إلى الحسابات السياسية بصورة أكثر وضوحاً، وبعد ذلك عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2018 مجموعة من المنظومات الاستراتيجية الجديدة، بينها صاروخ «سارمات»، والمركبة الانزلاقية «أفانغارد»، في رسالة هدفت إلى التأكيد على أن روسيا لا تزال قادرة على تجاوز منظومات الدفاع الصاروخي الغربية.

ويؤكد مراقبون أنه من المرجح أن تمر غيمة التهديد النووي سريعاً، كما حصل مع تهديدات مماثلة سابقة، فمنذ امتلاك الاتحاد السوفييتي القنبلة النووية عام 1949 دخل السلاح النووي في صلب الحسابات السياسية لموسكو، بهدف تحسين شروط أي مفاوضات.

لذلك على الرغم من عدم وجود أي دلائل على وقوع هجوم فعلي فإن الحرب الكلامية المحيطة بكالينينغراد تُظهر أن مستوى المواجهة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو» يستمر في التصاعد، وموسكو تعمل على اختبار حدود خصومها، وتصعيد الضغط دون الوصول إلى حرب مباشرة.