تواجه الدفاعات الجوية الأوكرانية تحديا جديدا مع ظهور جيل من المسيّرات الروسية المزودة بمحركات نفاثة، والتي تعبر سماء كييف بسرعات تصل إلى مئات الكيلومترات في الساعة وعلى ارتفاعات أكبر من المسيّرات التقليدية، ما يقلص الوقت المتاح أمام وحدات الدفاع لاكتشافها وتعقبها واعتراضها.
وبحسب تقرير نشرته «واشنطن بوست» اليوم الخميس، أصبحت هذه المسيّرات جزءًا من تكتيك روسي تصاعد خلال الأسابيع الأخيرة، يستهدف البنية التحتية التي يعتمد عليها الاقتصاد الأوكراني، بما يشمل منشآت الطاقة والصناعات والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات ومحطات الوقود ومراكز تخزين الغذاء.
وتكمن المشكلة الأساسية في السرعة والارتفاع، فالمسيّرات الجديدة، تتحرك أسرع وأعلى من المسيّرات ذات المراوح، الأمر الذي يجعل إسقاطها بالأسلحة التقليدية أكثر صعوبة.
وقال فولوديمير سيرديوك، قائد إحدى وحدات الدفاع الجوي الأوكرانية، إن طواقمه تواجه صعوبة في تثبيت التتبع على هذه الأهداف بسبب سرعتها. وفي إحدى الهجمات التي تم رصدها، ظهر هدف على شاشة الرادار يتحرك بسرعة، قبل أن تعبر المسيّرة منطقة الوحدة خلال لحظات وتصبح خارج نطاقها.
وتعتمد أوكرانيا في مواجهة أسراب المسيّرات على مزيج من الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وأنظمة الاعتراض. وتستخدم أنظمة الحرب الإلكترونية لتوجيه بعض المسيّرات القادمة إلى ممرات جوية محددة، بما يساعد وحدات الاعتراض على التعامل معها، لكن السرعة الجديدة تختبر فعالية هذه الاستراتيجية.
ووفق التقرير، فإن أسرع المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية المتاحة حاليًا تصل عادة إلى نحو 300–400 كيلومتر في الساعة، وهي سرعة لا تكفي دائمًا لملاحقة المسيّرات النفاثة الجديدة.
ولهذا بدأت شركات دفاع أوكرانية تطوير جيل جديد من المسيّرات الاعتراضية، بعضها يستخدم محركات نفاثة صغيرة، فيما يجري تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على المساعدة في توجيه عملية المطاردة. كما يجري اختبار منظومة اعتراض مزودة بنظام تبريد يساعد البطاريات على تحمل الحرارة الناتجة عن محاولة دفع المسيّرة إلى سرعات أعلى.
لكن تطوير نموذج قادر على ملاحقة الهدف لا يعني إمكانية إنتاجه بأعداد كبيرة فورًا. وتقول شركات أوكرانية إن توسيع التصنيع قد يستغرق ثلاثة إلى أربعة أشهر في بعض التقديرات، بينما يرى محلل عسكري أن سد الفجوة قد يحتاج إلى ستة أشهر أو أكثر.
وتواجه الصناعة الأوكرانية أيضا مشكلة في توفير مكونات المحركات النفاثة الصغيرة؛ إذ يعتمد جزء من الإمدادات على شركات أوروبية لا تملك حاليًا قدرة إنتاجية تكفي لحجم الطلب المتوقع.
وفي الوقت نفسه، تحاول الدفاعات الأوكرانية الاستفادة من مقاتلات F-16 لاعتراض أسرع المسيّرات، إلا أن عددًا من هذه الطائرات يحتاج إلى أعمال صيانة وإصلاح، ما يحد من قدرتها على توفير حل دائم أمام موجات الهجمات المتكررة.
ولا يقتصر التحدي على تطوير سلاح أسرع، إذ تواجه أوكرانيا مشكلة أخرى تتمثل في كلفة الاعتراض وحجم الهجمات. فروسيا تستطيع إطلاق موجات متتالية من المسيّرات، بينما تحتاج أوكرانيا إلى منظومات اعتراض وذخائر وطائرات مقاتلة للتعامل معها.
وتشير التطورات الأخيرة إلى سباق تقني جديد في الحرب،كلما طورت روسيا مسيّرات أسرع وأعلى تحليقًا، اضطرت أوكرانيا إلى تطوير وسائل اعتراض أسرع وأكثر استقلالية. ولهذا بدأت الشركات الدفاعية الأوكرانية العمل على أنظمة تجمع بين الدفع النفاث والتوجيه الذاتي والذكاء الاصطناعي.
وبينما لا تزال هذه الأنظمة الجديدة في مراحل الاختبار والتوسع الصناعي، فإن ظهور المسيّرات النفاثة يغير طبيعة المشكلة التي تواجه الدفاعات الجوية. فلم يعد السؤال فقط كيف تكتشف المسيّرة؟، بل أصبح: هل تستطيع منظومة الدفاع الوصول إليها قبل أن تعبر مجالها وتصل إلى هدفها؟