جاءت تحذيرات أجهزة الاستخبارات الأوروبية أخيراً لتقلب الحسابات، منبهة إلى إمكانية قيام موسكو باختبار المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي «الناتو» عبر هجمات خاطفة في دول البلطيق أو ممر سووالكي.
هذا المنعطف الخطير، الذي تزامن مع تصريحات روسية صريحة حول الاستعداد للمواجهة المسلحة والحروب الهجينة، يضع القارة العجوز أمام سؤال مصيري حول مدى امتلاكها وحلف شمال الأطلسي خطة ردع حقيقية، أم أن تعرضها لهجمة روسية بات مسألة وقت؟
ويشير خبراء في الشؤون الأمنية إلى أن موسكو توظف أدوات الحرب الهجينة في المنطقة الرمادية كالهجمات السيبرانية، واستهداف كابلات الإنترنت البحرية، وقطع إمدادات الطاقة الحيوية، وافتعال أزمات المهاجرين كجزء من تكتيك قياس النبض واختبار حدود الصبر الأوروبي.
تنافس استراتيجي
لافتاً إلى أن التحذيرات الأوروبية بشأن احتمال اختبار موسكو لتماسك حلف شمال الأطلسي تعبر عن مخاوف حقيقية، لكنها لا تعني بالضرورة اقتراب اندلاع حرب شاملة.
ويضيف أن موسكو تنظر إلى سياساتها العسكرية باعتبارها رداً على توسع الحلف بالقرب من حدودها، ما يكرس معضلة أمنية تجعل كل طرف يرى أن تعزيز أمنه يتم على حساب الطرف الآخر، الأمر الذي يجعل المشهد أقرب إلى سباق ردع منه إلى استعداد لحرب تقليدية واسعة.
ويخلص عطيف إلى أن الردع النووي يجعل المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو غير مرجحة، لكن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من المنافسة الاستراتيجية والضغوط غير التقليدية، ما يستدعي تعزيز الجاهزية الأوروبية والحفاظ على قنوات الحوار لتجنب أي تصعيد غير محسوب.
بدوره يقول د. محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، إن أوروبا تمر بمرحلة جيوسياسية دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة متغيرات رئيسية، انشغال الولايات المتحدة بملفات دولية أخرى، ومحاولات روسيا إعادة بناء قدراتها العسكرية رغم استنزافها في أوكرانيا، وتنامي الشكوك الأوروبية بشأن استمرارية المظلة الأمنية الأمريكية، مؤكداً أن هذا التزامن يخلق ما يعرف بـ«نافذة الفرصة» التي تثير قلقاً متزايداً داخل العواصم الأوروبية.
تعزيز خطط
ويؤكد بوبوش أن موسكو قد تسعى خلال الفترة بين 2026 و2030 إلى استغلال أي تراجع في التنسيق الأمريكي - الأوروبي لاختبار تماسك الحلف عبر عمليات محدودة أو أدوات هجينة منخفضة الكلفة. ويخلص إلى أن الصدام المباشر ليس حتمياً، لكن تجنبه يتطلب من أوروبا تسريع بناء قدراتها الدفاعية المستقلة، وتعزيز الردع الجماعي، بالتوازي مع الإبقاء على المسارات الدبلوماسية مفتوحة لمنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.