انتقلت المواجهة بين روسيا وأوكرانيا إلى مستوى أكثر خطورة في البحر الأسود وبحر آزوف، مع اتساع الهجمات المتبادلة لتشمل السفن التجارية والناقلات والموانئ والمنشآت العسكرية، في تصعيد عطل طرقاً رئيسية لتصدير الحبوب ودفع أسعار القمح العالمية إلى الارتفاع، وسط تحذيرات تركية من تمدد الحرب إلى الممر البحري الحيوي.

وأعلنت أوكرانيا، أمس، أن طائراتها المسيّرة استهدفت 11 سفينة روسية على الأقل، بينها ناقلات نفط وغاز وسفن شحن وقاطرات، ليرتفع عدد السفن التي تقول كييف إنها استهدفتها منذ بداية يوليو إلى 147 سفينة في البحر الأسود وبحر آزوف.

في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربات على منشآت عسكرية وصناعية أوكرانية في كييف، والبنية التحتية للموانئ في أوديسا وبيفديني.

وقالت موسكو إن قواتها دمرت سفينة عسكرية أوكرانية وقارباً سريعاً أثناء توجههما إلى منطقة ميناء أوديسا، وهي رواية لم تؤكدها كييف.

ويعكس التصعيد انتقال أوكرانيا من استهداف منشآت الطاقة والقطع العسكرية الروسية إلى محاولة إرباك شبكة النقل البحري التي تستخدمها موسكو لنقل الوقود والحبوب والبضائع بين الموانئ الروسية وبحر آزوف والبحر الأسود.

وفرضت السلطات الروسية قيوداً على الملاحة في بحر آزوف، بعد سلسلة من الهجمات الأوكرانية، كما أوقفت مؤقتاً مرور السفن عبر قناة الدون–آزوف وعلقت قبول طلبات العبور في مضيق كيرتش، قبل أن تعمل على إعادة توجيه بعض الشحنات إلى موانئ أخرى في البحر الأسود وبحر البلطيق.

وتكتسب المنطقة أهمية خاصة لصادرات الحبوب الروسية، إذ يمر عبر بحر آزوف وما يرتبط به من ممرات بحرية ما يقارب ربع حركة تصدير الحبوب الروسية، فيما تعد روسيا أكبر مصدر للقمح في العالم.

وأدت الهجمات وقيود الملاحة إلى ارتفاع أسعار القمح الأوروبي بنحو 7 %، فيما صعدت العقود الأمريكية الآجلة بنحو 5%، مع تنامي المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من اثنين من أكبر منتجي الحبوب في العالم.

وعلى الضفة الأوكرانية، كثفت روسيا خلال الأيام الأخيرة هجماتها على موانئ منطقة أوديسا الكبرى، التي تضم أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني، وتشكّل المنفذ الرئيسي للصادرات البحرية الأوكرانية.

ويمر عبر هذه الموانئ أكثر من 90 % من صادرات أوكرانيا الزراعية، إضافة إلى جميع صادراتها من خام الحديد تقريباً، ما يجعل استمرار تشغيلها ضرورياً للاقتصاد الأوكراني ولتدفق الحبوب إلى الأسواق العالمية.

وقالت السلطات الأوكرانية إن الهجمات الروسية أدت إلى فقدان نحو ثلث قدرات البلاد على تصدير الحبوب، وتسببت في توقف عدد من المحطات الكبرى، بينما قلّص ميناء تشورنومورسك استقبال شحنات الحبوب، ولم تعد الموانئ الثلاثة تعمل بكامل طاقتها.

كما استهدفت صواريخ باليستية روسية مناطق في كييف، ما أسفر، وفق السلطات المحلية، عن مقتل شخصين وإصابة ستة آخرين على الأقل، وإشعال حرائق في مستودعات وإلحاق أضرار بمركبات ومنشآت تخزين.

تحرك دبلوماسي

وفي موازاة التصعيد العسكري، حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال زيارة إلى كييف، من انتقال الحرب بصورة أوسع إلى البحر الأسود.

وقال فيدان خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الأوكراني أندريه سيبيها: «لا نريد أن تنتقل الحرب إلى البحر الأسود»، مؤكداً أن استهداف الموانئ والناقلات وقوارب الصيد وتعريض حياة المدنيين للخطر لا يمكن تبريره.

ودعا إلى استمرار المحادثات الروسية الأوكرانية التي ترعاها تركيا ضمن مسار إسطنبول، معتبراً أن مواصلة العملية التفاوضية ضمن الإطار نفسه ستكون مفيدة.

لكن موسكو قللت من فرص استئناف المفاوضات في المستقبل القريب.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن روسيا تقدر استعداد تركيا لمواصلة المساهمة في جهود التسوية، لكنه أضاف أنه «لا توجد في الوقت الراهن آفاق قريبة لاستئناف عملية التفاوض».

وأكد بيسكوف أن الجانب الروسي لا يزال منفتحاً على المسار الدبلوماسي، في وقت تتباعد فيه مواقف موسكو وكييف بشأن وقف إطلاق النار والترتيبات الإقليمية والأمنية لأي اتفاق محتمل.

وتزيد المواجهة البحرية الأخيرة من المخاطر المحيطة بالبنية التحتية الاستراتيجية في البحر الأسود، بما فيها الموانئ ومنشآت الطاقة والكابلات البحرية ومسارات التجارة.

وكان الاتحاد الأوروبي قد اقترح في مايو 2025 إنشاء مركز للأمن البحري في البحر الأسود، ليكون بمثابة نظام إنذار مبكر يرفع القدرة على رصد التهديدات وحماية المنشآت البحرية والكابلات وخطوط الملاحة.