يناقش أعضاء حلف الناتو نشر قوة عسكرية في غرينلاند. ورغم أن الكثير من المسؤولين الأوروبيين ربطوا هذه المناقشات بتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة عليها، إلا أن بريطانيا قالت اليوم ⁠إن المناقشات في الحلف تتمحور حول «ردع النشاط الروسي في القطب الشمالي».

وذكرت صحيفة تليغراف، السبت، أن قادة عسكريين من بريطانيا ودول ⁠أوروبية أخرى يضعون خططاً لمهمة محتملة للحلف في غرينلاند. وأضافت أن مسؤولين بريطانيين ⁠بدأوا محادثات أولية مع ألمانيا وفرنسا وغيرهما بشأن خطط قد تتضمن نشر قوات بريطانية وسفن حربية وطائرات لحماية غرينلاند من روسيا والصين.

ولم تعد التحركات الغربية في القطب الشمالي مجرد نقاشات تقنية أو ترتيبات دفاعية روتينية، بل باتت تعكس تحوّل المنطقة إلى واحدة من أكثر ساحات التنافس حساسية بين روسيا والغرب، في ظل تداخل الجغرافيا العسكرية مع المصالح الاقتصادية وتآكل منظومات الردع التقليدية.

ويرى محللون أن القطب الشمالي يشهد حالياً إعادة تعريف لدوره الاستراتيجي، من منطقة هامشية متجمدة إلى محور مركزي في الصراع الدولي، خصوصاً مع تسارع ذوبان الجليد وتزايد القدرة على استغلال ممراته وموارده.

يقول خبراء في شؤون الأمن الدولي إن القطب الشمالي يشكل أقصر مسار استراتيجي بين روسيا والولايات المتحدة، ما يجعله جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع النووي، سواء اعترف الطرفان بذلك علناً أم لا.

وينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن تراجع الاتفاقيات الخاصة بالحد من التسلح، مثل «ستارت الجديدة»، أعاد للمنطقة دورها التقليدي في حسابات الإنذار المبكر ونشر أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وهو ما يفسر القلق الغربي المتزايد من النشاط العسكري الروسي هناك.

من وجهة النظر الروسية، لا يُنظر إلى القطب الشمالي بوصفه ساحة توسع، بل بوصفه جزءاً من الأمن القومي المباشر، فموسكو ترى في القطب الشمالي ضمانة استراتيجية طويلة الأمد، سواء من حيث الردع العسكري أو تأمين موارد الطاقة والمعادن التي تحتاج إليها في ظل العقوبات الغربية، لذلك فإن الاستثمار الروسي بعيد المدى في كاسحات الجليد والقواعد العسكرية يعكس رؤية استراتيجية ممتدة لعقود، وليس رداً ظرفياً على تحركات «الناتو».

في المقابل، يعترف خبراء غربيون بأن «الناتو» تأخر في إدراك حجم التحوّل الجاري في المنطقة. صحيح أن انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف غيّر الخريطة الأمنية بالكامل، لكنه في الوقت نفسه فرض على الحلف مسؤولية حماية مساحة جغرافية شاسعة لم يكن مستعداً لها سابقاً، لذلك فإن الحديث عن تعزيز الوجود العسكري في غرينلاند لا يستهدف روسيا وحدها، بل يهدف أيضاً إلى سد فجوة استراتيجية داخل المعسكر الغربي نفسه، في ظل القلق الأوروبي من الطروحات الأمريكية الأحادية.

عقدة التوازن

تمثل غرينلاند نقطة الارتكاز في هذا المشهد المعقد، فهي ليست مجرد قاعدة عسكرية محتملة، بل منصة إنذار مبكر تربط الأمن الأوروبي بالأمن الأمريكي، إضافة إلى كونها مخزوناً استراتيجياً لمعادن نادرة تدخل في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الأوروبية الأخيرة بوصفها محاولة مزدوجة؛ ردع روسيا من جهة، ومنع تحول غرينلاند إلى ملف خلاف داخلي داخل الحلف من جهة أخرى.

ورغم تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصريح بالسيطرة على غرينلاند، شراء أو بالقوة، إلا أن قادة عسكريين من بريطانيا ودول ⁠أوروبية يبحثون نشر قوات بريطانية وسفن حربية وطائرات لحماية الجزيرة من روسيا والصين.

لا يتوقع معظم الخبراء انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكنهم يجمعون على أن القطب الشمالي يتجه ليصبح ساحة صراع بارد منخفض الحدة، تُستخدم فيه أدوات الردع، والانتشار العسكري، والتحكم بالممرات البحرية، من دون تجاوز الخطوط الحمراء.