لم «يحلم» الأوروبيون يوماً أنهم سيعيشون «كابوساً» كالكابوس الذي اسمه دونالد ترامب خلال سنة 2025، حيث تعرضوا لصدمات قاسية من سياسة ترامب وكانوا ضحية مزاجه المتقلب بعدما اتخذ منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير، مجموعة إجراءات تتوافق مع عقيدته «أمريكا أولاً».
ولم تكن القارة العجوز يوماً بهذا القدر من التبعية لأهواء رئيس أمريكي. من فرض الرسوم الجمركية على الألمنيوم إلى محاولات الابتزاز بشأن الضرائب الرقمية والتنظيمات، وفرض الرسوم الجمركية الأعلى منذ قرن، وضغوطات حول الهجرة والقبول بوثيقة السلام في أوكرانيا التي تمنح امتيازات لبوتين على حساب كييف والرضوخ للعقيدة الأمريكية.
حقائق مؤلمة
عام 2025 كشف عن حقائق مؤلمة للاتحاد الأوروبي، تتمثل بالعلاقة التجارية المضطربة مع الولايات المتحدة، واعتماده المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية، وضعف وحدته الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية.حاول ترامب في أكثر من مناسبة مهاجمة المصالح الأوروبية وإذلال القارة، وسلط ترامب الضوء على إحدى نقاط ضعف الأوروبيين الكبرى، وهي عدم قدرتهم على اتخاذ القرار والتصرف،
وكانت الفكرة الرئيسة «التصعيد لإجبار الطرف الآخر على التراجع»، وهو نهج شوهد لاحقاً في صراعات ترامب مع الصين وكندا، لكن الاتحاد الأوروبي لم يجرؤ على التصعيد.
على صعيد الحرب في أوكرانيا، اتهم ترامب القادة الأوروبيين بعدم القدرة على إنهاء النزاع، قائلاً: «يتحدثون كثيراً لكنهم لا ينجزون شيئاً، والحرب تستمر بلا نهاية».
استعراض القوة
المؤكد أن مشهد جدال الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس أوكرانيا فولوديمير زيلنسكي كان حدثاً دبلوماسياً نادراً وصادماً، حيث جرت العادة أن يخرج الزعماء بمشاهد الابتسامات لكن يبدو أن إدارة ترامب استحدثت بروتوكولاً خاصاً لضيوفه يعمد خلاله إلى استعراض نفوذه والضغط عليهم أمام الشاشات سعياً لانتزاع تنازلات بعينها.
الصورة التي خرجت أيضا من قمة واشنطن بعد قمة ألاسكا التي جمعت ترامب ببوتين كانت أهم بكثير من مشاهد محادثات السلام في أوكرانيا. تحكي عن «انهيار» شامل. حيث ظهر القادة مصطفين أمام ترامب، يتظاهرون بالتماسك وهم في حالة إحراج شديد، يتنافسون على إعطاء «صورة جيدة»، رغم أن نتائج القمة لم تكن في صالحهم بل في صف بوتين، لا تشديد للموقف بشأن أوكرانيا ولا خطوط حمراء مرسومة لردع النتائج الأسوأ.
تجد أوروبا الآن نفسها في مواجهة قبضة «ترامب الحديدية»، حيث لم يعد الدفاع عن أوروبا أولوية أمريكية، ولم تعد واشنطن مستعدة لتحمل أكلاف حماية القارة من دون مقابل مباشر. وهذا يعني عملياً أن أوروبا تدخل مرحلة «ما بعد اليقين الأمني»، بحيث تصبح مسؤولية دفاعها عن نفسها أكبر من أي وقت مضى.
اختراق الأجواء
من الشرق -وإلى جانب الحرب على أوكرانيا- تتعرض القارة الأوروبية لعمليات روسية في أجوائها ومياهها وفضائها السيبراني، وانتهاك المسيّرات لأجوائها.«انتهاء أوروبا»لم يسبق لرئيس أمريكي أن أعلن رسمياً «انتهاء» أوروبا في وثيقة استراتيجية وطنية، فهو يخطط لانسحاب مجدول للقوات الأمريكية من أوروبا، حيث سيبقى حلف الناتو قائماً، لكن بصورة مغايرة - إذ يتعين على الأوروبيين دفع 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي للدفاع (مقارنة بـ2% اليوم)، في حين تتحول واشنطن من لاعب رئيسي إلى منظم.
حددت الوثيقة ما تريده الولايات المتحدة من أوروبا وهو الدفاع عن نفسها وتحديداً صرف مزيد من المال لصالح شراء السلاح من الولايات المتحدة والتوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة كحامي طبيعي لها، وهي تتحدث بوضوح أن «من يدفع أكثر يحظى بالحماية».
وألقى ترامب قنبلة في الملعب الأوروبي مطالباً دول القارة ضمنياً إما الاستسلام لعرضه للتسوية في أوكرانيا وقبول أن تصبح أوروبا بأسرها مجرد تابع للعم سام، أو تحمل المسؤولية والتصدي لبوتين ونشر قوات أوروبية على الأراضي الأوكرانية كبداية، والاستعداد لتخلي أمريكا عن التزاماتها الأوروبية في النهاية.
تصعيد غير مسبوق
عام ترامب وهو على رأس البيت الأبيض تصعيد غير مسبوق في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث وضعت السياسات الأمريكية الاتحاد الأوروبي تحت ضغط هائل دفعه لإعادة النظر في تحالفاته الاقتصادية واعتماده على الولايات المتحدة.وفي التجارة،
ذروة الأزمة في يوليو الماضي، كانت حين اضطرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، للسفر إلى منتجع ترامب للغولف في اسكتلندا لإبرام صفقة أحادية الجانب ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمصدرين الأوروبيين، قبلت بروكسل بسقف رسوم 15% مقابل وعود أمريكية غير مؤكدة بدعم الملف الأمني وأزمة أوكرانيا.
وتحت ضغط الولايات المتحدة، حظر الاتحاد الأوروبي تقنية الجيل الخامس لشركة هواوي، وعلق المصادقة على اتفاقية الاستثمار الشاملة بين الصين والاتحاد الأوروبي، وهو ما تبين أنه خسارة كبيرة لفرص كانت ستعود بالنفع على الشركات والمستهلكين الأوروبيين.
اختتم ترامب العام كما بدأ، مع هجوم آخر من ترامب على أوروبا وقادتها. ويقول لصحيفة بوليتيكو: «أعتقد أنهم ضعفاء. وهم أيضاً لا يعرفون ما يفعلونه بشأن التجارة»، وأن أوروبا «تسير في اتجاه خطأ»، ويبدو أن الصفعة التي تلقتها أوروبا في استراتيجية أمريكا هذا العام قد تكون جرس إنذار يدفعها إلى أن تصبح أكثر استقلالية في عالم متعدد الأقطاب.
