يسمّي الفرنسيون موسم العودة إلى المدارس والعمل بعد الصيف «الدخول»، ويعدّونه عادة موسماً لانطلاق الحياة من جديد. لكن دخول هذا العام جاء على هيئة سلسلة من الأزمات المتلاحقة: موظفون عموميون مضربون، ومدارس ثانوية محاصرة بالمتاريس، وموانئ مغلقة، وموازنة مشلولة، وأسعار فائدة على الديون تتصاعد بلا توقف. وتصف صحيفة «نيويورك تايمز» المشهد بأنه سلسلة متدحرجة من الاضطرابات تهز الشوارع وقاعات التداول والمكاتب الحكومية في آن. وكل ذلك يجري في الأشهر الأخيرة من ولاية إيمانويل ماكرون، فيما يحتدم التنافس على خلافته في ربيع 2027.

أزمات كثيرة

قد تبدو هذه الأزمات متفرقة للوهلة الأولى، لكنها تعود إلى جذر مشترك: معاناة فرنسا الممتدة منذ عقدين لتمويل دولتها، وقد زادتها حدة كلفة الاقتراض المرتفعة، وأسعار الوقود الملتهبة، والغموض السياسي. فالدَّين العام الفرنسي بلغ 3.6 تريليون يورو في الربع الثاني من 2026، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي، بعد أن كان 115.6% قبل عام، وهو رقم قياسي منذ الحرب العالمية الثانية. وبلد بهذا الحجم من الدَّين يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة: كل يورو يُقتطع من الإنفاق يُشعل الشارع، وكل يورو يُضاف إلى العجز يُغضب الأسواق.

في الأول من أكتوبر، قدّم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو موازنة 2027 القائمة على شدّ الأحزمة، وتعتمد في توفيرها على تجميد رواتب القطاع العام وجميع معاشات التقاعد باستثناء أدناها. وتقترح الموازنة جهداً مالياً إجمالياً يقارب 54 مليار يورو بين خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، ثلثاه من ضبط الإنفاق وثلثه من الضرائب والمساهمات، بهدف خفض العجز إلى 5% من الناتج العام المقبل، بعد 5.4% هذا العام. ومع ذلك، رأى المجلس الأعلى للمالية العامة أن هدف العجز لعام 2027 هو الحد الأدنى في ضوء الوضع «المقلق» للمالية العامة.

وفي البرلمان، بدت المهمة شبه مستحيلة منذ اليوم الأول. فقد رفضت لجنة المالية في الجمعية الوطنية الشق الخاص بالإيرادات بـ31 صوتاً مقابل 3، ولم يصوّت لصالحه سوى نواب الحزب الرئاسي. وحين بدأ النقاش في الجلسة العامة يوم 13 أكتوبر، قدّم الاشتراكيون، الذين سمحوا بتمرير موازنة العام الماضي، مذكرة لرفض المشروع قبل مناقشته، معتبرين أن الحكومة لم تُبدِ أي مرونة تجاههم، خصوصاً في تحميل الأغنياء نصيبهم من العبء وحماية الفئات الأضعف. وسقطت المذكرة بـ236 صوتاً مقابل 149، بعد أن صوّت ضدها المعسكر الحكومي ومستقلو «ليوت» وتحالف التجمع الوطني مع حلفائه.

لكن نجاة الموازنة من الضربة الأولى لا تعني نجاتها من المعركة. فالحكومة لا تملك أملاً يُذكر في تمرير موازنتها بالطرق المعتادة، وقد يلجأ لوكورنو مجدداً إلى المادة 49.3 من الدستور لتمريرها دون تصويت، مع ما يحمله ذلك من خطر حجب الثقة. ويبقى أمامه خيار غير مسبوق: «المراسيم الموازنية» التي لم تُستخدم قط، وتتيح إقرار الموازنة دون أي تصويت، لكن ليس قبل 18 ديسمبر. وللمفارقة، هذه آخر موازنة سنوية في عهد ماكرون.

سوق السندات

خلف هذا الصراع البرلماني يقف لاعب لا يجلس في الجمعية الوطنية لكنه يملك الكلمة الأثقل: سوق السندات. فقد ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2008، بعد أن شكك المستثمرون في قدرة الحكومة على كبح العجز. وبلغ العائد 4.914%، أي أعلى بـ139 نقطة أساس مما كان عليه قبل عام، وقرب أعلى مستوى في 24 عاماً.

وتخطط الخزينة الفرنسية لإصدار ديون بقيمة 340 مليار يورو في 2027، بزيادة 20 ملياراً على هذا العام، مع حلول آجال قروض الجائحة. وحتى لو سار كل شيء وفق الخطة، يتوقع ستيفان كولياك، الاقتصادي في «بي إن بي باريبا»، أن يرتفع الدَّين إلى 121% من الناتج في 2027، وألا يستقر إلا عند 124% في 2032. وتشير تقديرات إلى أن مدفوعات الفوائد، المتوقعة بنحو 65 مليار يورو في 2026، قد تتجاوز 90 ملياراً في 2027، ما يعني أن فرنسا قد تنفق على خدمة ديونها أكثر مما تنفق على مدارسها وجامعاتها ومعلميها. وهذه المعادلة بالذات هي ما أشعل الشارع.

ثورة الطلاب

فالأزمة الأكثر إثارة للدهشة هذا الخريف لم تأتِ من النقابات أو الأحزاب، جاءت من المراهقين. فبحسب وزارة الداخلية، تأثرت 1027 مدرسة ثانوية من أصل نحو 3700 بالاحتجاجات، بينها 222 حوصرت بالمتاريس، فيما أُغلقت أكثر من 400 مدرسة في يوم واحد. ويحتج التلاميذ على مرافق متهالكة، وأيام دراسية طويلة، ونقص في المعلمين، وصفوف مكتظة.

وتحولت الاحتجاجات في مواضع كثيرة إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة؛ فقد اعتُقل أكثر من 6800 شخص في أنحاء البلاد، وتفيد التقارير بأن مراهقاً فقد يده خلال المواجهات. وتكمن خطورة هذه الحركة في توقيتها: فالتلاميذ يطالبون بموارد إضافية في اللحظة ذاتها التي تبحث فيها الحكومة عن تخفيضات لطمأنة أسواق السندات. وفي ذلك تتلخص الأزمة الفرنسية كلها: جيل يطالب بالاستثمار في مستقبله، ودولة مثقلة بديون الماضي.

حرب بعيدة

وإلى المدارس انضمت الموانئ. فقد أغلق الصيادون الفرنسيون مداخل ميناءي نيس وسيت ومستودعاً للوقود في فرونتينيان، احتجاجاً على ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب الأمريكية الإيرانية. وتجاوز سعر الديزل 2.37 يورو للتر، قريباً من الرقم القياسي البالغ 2.38 يورو. ولم تقتصر الأزمة على الصيادين؛ فنحو 9% من محطات الوقود في فرنسا تعاني نقصاً في نوع واحد على الأقل من الوقود، فيما تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي دعوات لعودة حركة «السترات الصفراء» بدءاً من 17 أكتوبر.

وتحمّل الحكومة الحرب الأمريكية الإيرانية المسؤولية الأولى عن ارتفاع الأسعار، لكنها لم تقف مكتوفة الأيدي. فقد دعا ماكرون إلى اجتماع طارئ لمجموعة السبع قرر الإفراج المنسق عن الاحتياطيات الاستراتيجية، وأعلن لوكورنو أن فرنسا ستضخ 10 ملايين برميل من الديزل من احتياطياتها، وهو ما قد يخفض السعر بنحو 12 إلى 18 سنتاً للتر. كما تعهدت «توتال إنرجيز» بتسقيف أسعار الوقود في محطاتها، وخصصت الحكومة 1.4 مليار يورو لدعم الفئات محدودة الدخل وقطاعات الصيد والزراعة والبناء. لكنها ترفض بإصرار خفض ضرائب الوقود؛ فخزينة مثقلة بالديون لا تملك ترف التنازل عن إيراداتها.

لوبان وحلم الإليزيه

فوق كل ما سبق، يخيّم ظل انتخابات 2027. ففي السابع من يوليو، أيدت محكمة الاستئناف في باريس إدانة مارين لوبان باختلاس أموال البرلمان الأوروبي، لكنها خففت عقوبة عدم الأهلية إلى 45 شهراً، منها 30 موقوفة التنفيذ و15 نافذة، وهي مدة كانت قد قضتها بالفعل، ما يجعلها مؤهلة للترشح في انتخابات أبريل 2027. وأعلنت لوبان ترشحها في الليلة نفسها، قائلة إنها لن تغيّر رأيها، حتى لو اضطرت إلى خوض الحملة بسوار إلكتروني.

وتبدو الأرقام في صالحها. فقد منحها استطلاع «أودوكسا» الذي شمل أكثر من 12 ألف شخص بين أواخر سبتمبر ومطلع أكتوبر ما بين 37% و38% في الجولة الأولى، متقدمة بفارق كبير على جان لوك ميلانشون (أكثر من 18%) وإدوار فيليب (17%). وفي جولة ثانية، تتفوق على فيليب بـ53% مقابل 47%. أما في مواجهة ميلانشون، فتمنحها «هاريس إنترأكتيف» فوزاً كاسحاً بـ69% مقابل 31%. وتلوح في الأفق مواجهة بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، فيما يتآكل الوسط الذي حكم فرنسا منذ 2017. وكانت انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة إشارة إضافية: فقد حصل التجمع الوطني على كتلة برلمانية فيه للمرة الأولى، وفازت «فرنسا الأبية» بأول مقعد لها.

هل يسقط دستور ديغول؟

وُلد دستور 1958 من خوف محدد؛ وهو أن يعود شلل الجمهورية الرابعة، التي تعاقبت فيها الحكومات وتعذر بناء أغلبية مستقرة. لذلك منح السلطة التنفيذية أدوات قوية لتجاوز الانقسام البرلماني. والمفارقة اليوم أن بعض الأدوات التي صُممت لحماية النظام من الشلل، وفي مقدمتها المادة 49.3، أصبحت عند خصوم الحكومة دليلاً على أزمة النظام نفسه.

صُمّمت الجمهورية الخامسة لتمنح فرنسا ما افتقدته الجمهورية الرابعة سلطة تنفيذية قوية، وحكومات مستقرة تستند إلى أغلبية برلمانية واضحة. لكن هذا البناء يعمل اليوم في ظروف لم يتخيلها واضعوه: برلمان منقسم إلى كتل لا تملك أي منها الأغلبية، وحكومة تعيش على التهديد الدائم بحجب الثقة، ورئيس في عامه الأخير. وقد وُصفت أزمة الخريف الماضي، حين استقال لوكورنو ثم أعيد تعيينه، بأنها من أسوأ الأزمات السياسية منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958. وحين تصبح أدوات الاستثناء، كالمادة 49.3 التي تمرر القوانين دون تصويت، أو «المراسيم الموازنية» التي لم تُستخدم قط، هي الطريق الوحيد لإقرار موازنة الدولة، يحق للمراقب أن يسأل: هل ما زال النظام يعمل كما صُمّم؟

ويقدّم ميلانشون جوابه الصريح. فهو مدافع قديم عن الانتقال إلى جمهورية سادسة، عبر جمعية تأسيسية تكتب دستوراً جديداً، يقول إنه سيضع حداً لـ«الرئاسية المفرطة» ويعيد السلطة إلى البرلمان والمواطنين. وتتضمن رؤيته استفتاءات بمبادرة شعبية، إلى جانب الجمعية التأسيسية. غير أن المشروع يواجه أسئلة دستورية جدية، فخبراء القانون الدستوري منقسمون حول إمكان الدعوة إلى جمعية تأسيسية، وحول حاجة أي رئيس منتخب إلى حشد أغلبية شعبية واسعة لتحقيقه. أما لوبان، المتصدرة للاستطلاعات، فلا تطرح تغيير الجمهورية، وتراهن على الإمساك بأدوات الجمهورية الخامسة القوية نفسها.

هل تدخل فرنسا إذن جمهوريتها السادسة؟

تقف فرنسا اليوم عند تقاطع ثلاثة مسارات زمنية؛ الشارع الذي قد يشتعل مجدداً مع دعوات «السترات الصفراء» في 17 أكتوبر، والبرلمان الذي يملك 70 يوماً لحسم الموازنة قبل أن تصبح المراسيم خياراً متاحاً في 18 ديسمبر، والانتخابات الرئاسية التي تقترب في أبريل. وبين هذه المسارات، تراقب الأسواق كل خطوة، مستعدة لمعاقبة أي تراجع عن ضبط العجز.

ليس في الأفق القريب ما يرجّح ذلك؛ فالمرشحة الأوفر حظاً لا تريدها، والمرشح الذي يريدها يحتاج إلى الفوز أولاً، ثم إلى إقناع الفرنسيين بمغامرة دستورية في ذروة أزمة مالية. لكن السؤال نفسه صار مشروعاً، وهذا وحده علامة على عمق الأزمة.

لقد صمد دستور الجمهورية الخامسة أمام حروب وانتفاضات وفترات تعايش وحكومات بلا أغلبية مطلقة، وأثبت طوال عقود قدرة استثنائية على استيعاب الأزمات. لكنه اليوم يواجه تركيبة لم تجتمع بهذه الحدة من قبل؛ برلمان لا تنتظم فيه أغلبية مستقرة، ودين عند 119% من الناتج، وأسواق ترفع كلفة الاقتراض، وشارع يرفض مزيداً من التقشف، وانتخابات تدفع الناخبين بعيداً عن الوسط.

قد لا تأتي الجمهورية السادسة في 2027، لكن الجمهورية الخامسة قد تخرج من هذا الخريف أضعف مما دخلته.