يشهد الشارع الفرنسي ثلاثة أسابيع على التوالي من الحراك الطلابي في جلّ أنحاء البلاد، بدأ بمطالب تتعلق بنقص المدرسين والموارد وظروف الدراسة، قبل أن يمتد إلى مئات المؤسسات التعليمية، وتتخلله مواجهات وأعمال عنف وآلاف التوقيفات، ليتطور إلى مواجهة سياسية واتهام الحكومة اليسار بإشعال الاحتجاجات قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية.
توقيت الحراك يفتح المجال أمام القوى السياسية لمحاولة استقطاب الشباب وتعزيز قواعدها الشعبية، ويضع تيار الوسط، وخصوصاً معسكر الرئيس إيمانويل ماكرون، أمام معادلة صعبة بين احتواء أعمال العنف وتجنب مواجهة واسعة مع حركة يقودها شباب وطلاب وسط سباق رئاسي بدأ بالفعل في تحويل كل أزمة اجتماعية إلى جزء من المواجهة السياسية المقبلة.
الاحتجاجات بدأت في 17 سبتمبر الماضي في منطقة باريس، على خلفية نقص المدرسين والموظفين وظروف الدراسة، قبل أن تنتشر تدريجياً في أنحاء البلاد.
وسرعان ما تحول الحراك الطلابي إلى شبه انتفاضة، مع انضمام أساتذة وأولياء تلاميذ وطلبة وأحزاب سياسية إلى عدد من التحركات.
وامتد من ضواحٍ فقيرة في باريس إلى مدن عدة، وتتمحور المطالب حول توفير الإمكانات البشرية والمالية للمؤسسات التعليمية، وتعويض الأساتذة الغائبين، وتقليص الاكتظاظ، وتحسين ظروف الدراسة والخدمات المدرسية، في وقت دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لضبط النفس.
أبعاد سياسية
لم تعد القضية تربوية فحسب، بل بدأت تكتسب أبعاداً سياسية أيضاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تحولت إلى طابع سياسي مع تدخل الأحزاب واتساع الاحتجاجات إلى باقي المدن، ما أعاد إلى الأذهان احتجاجات السترات الصفراء بعدما شابتها أعمال عنف ومواجهات مع رجال الشرطة، وسط تحول المواقف من الأحداث إلى سجال بين الأحزاب السياسية وتبادل للاتهامات قبيل الانتخابات الرئاسية بـ 6 أشهر، وباتت مواجهة سياسية أوسع بين حكومة تسعى إلى ضبط الاحتجاجات وفرض النظام، ومعارضة تتهمها السلطة بمحاولة استثمار غضب الشارع والطلاب سياسياً.
اتهامات لليسار
ويأتي هذا الجدل في سياق سياسي حساس، قبل أكثر من ستة أشهر على الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث يحظى زعيم إئتلاف اليسار جان لوك ميلنشون بشعبية متنامية لدى فئة الشباب.
ووُجهت اتهامات إلى زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري ميلنشون بمحاولة استثمار التحركات الطلابية سياسياً، فيما ردت أصوات من اليمين بالدعوة إلى عدم الانجرار خلف الخطابات السياسية والعودة إلى مقاعد الدراسة أمام اتساع أعمال التخريب والحرق التي لحقت بالمنشآت العمومية والمحلات التجارية، وتعطيل الدراسة في 560 مدرسة على الأقل.
ويؤكد محللون أن المسار يظل مفتوحاً على أكثر من احتمال، فالحكومة تراهن على تراجع الاضطرابات وعودة الدراسة تدريجياً، فيما يسعى الطلاب إلى إبقاء مطالب التعليم والموارد في صدارة المشهد، بينما الأحزاب تحاول استغلال الفرصة لمحاصرة ماكرون، لا سيما بعد اتهام قوات الأمن باستعمال العنف ضد الطلاب واعتقال المئات.
بعدما كانت التحركات تتركز في الثانويات والمؤسسات التعليمية، امتدت الاحتجاجات إلى ساحات عامة وشوارع رئيسية في عدة مدن، ووصلت إلى مارسيليا.
حصار ماكرون
أصبح واضحاً أن أحزاب المعارضة، وخاصة حزب فرنسا الأبية اليساري وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، يعملون على استغلال الوضع في إطار حملة انتخابية مسبقة لحصار إنجازات ماكرون وتشكيل بديل سياسي لحكمه في المواعيد الانتخابية القادمة.
وعلى العموم، حدة الأزمة الحالية سوف يكون لها مضاعفات في المستقبل على المشهد السياسي الفرنسي لما لها من تأثير على العقليات، لا سيما بعد محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل في الأزمة بتأكيد إن ما يحدث في فرنسا «ليس أقل من هجرة جماعية خارجة عن السيطرة»، رابطاً ذلك بالإسلام لا بأزمة المدارس.
وقالت صحف فرنسية إن الاحتجاجات الطلابية، إن نجحت الحكومة في إخمادها، فلن تنتهي تداعياتها اللاحقة حتى لو استطاع ماكرون وحكومتة نزع فتيل الأزمة، حيث قد تتحول إلى مشكلة معقدة يصعب التعاطي معها بسبب عدم امتلاك الطلاب مرجعية واحدة يمكن للسلطات التفاوض معها، حيث تتعدد النقابات مع تراجع شعبية الحكومة ومستويات النمو الاقتصادي المتواضعة، لذلك تتحرك الحكومة على «خط رفيع» بين الاستجابة للمطالب والحفاظ على الأمن.
وتخشى الحكومة أن تتحول المطالب المتعددة إلى موجة احتجاج اجتماعي أوسع يصعب احتواؤها، وقد تحدثت «لوموند» الفرنسية عن «ائتلاف للغضب» يمكن أن يجمع بين مطالب مختلفة وقد يؤدي إلى شلل في عدد من القطاعات.
ماكرون يجد نفسه محاصراً بين يمين متطرّف يتصاعد نفوذه على مر السنوات، ويسار راديكالي ممثلٍ بحزب «فرنسا الأبية» يزداد تشدداً ومناهضة له، ما يحتم عليه السعي لغلق كل المنافذ أمام المعارضة لاستغلال الاحتجاجات، رغم أن هامش المناورة ضيق أمامه وعليه أن يولي أهمية للسلم الاجتماعي الضروري، وسيتعين عليه عدم الإغراق في الوعود واتخاذ تدابير عاجلة لتحسين وضعية الطلاب والأساتذة، والتحلي بالواقعية للخروج من هذه الأزمة المستمرة منذ أسابيع.