من تحذير روسي باستخدام «كامل الترسانة»، بما فيها الأسلحة النووية، إلى تحذيرات أوروبية من تصاعد التخريب والهجمات السيبرانية وانتهاكات المجال الجوي، تبدو العلاقة بين موسكو وأوروبا كأنها تقترب من أخطر نقطة منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. لا سيما بعد إجراء فرنسا اليوم أول اختبار لإطلاق صاروخها الباليستي من الجيل الأحدث (إم51.3) الذي يطلق من الغواصات، مؤكدة بذلك قدرتها في مجال الردع النووي في ظل تصاعد التوتر مع روسيا.التصعيد لم يعد يدور فقط حول ما يحدث على جبهات القتال، بل بات يلامس المجال الأمني الأوروبي مباشرة، ويدفع العواصم الأوروبية إلى التعامل مع احتمال خروج المواجهة من المنطقة الرمادية إلى صدام عسكري مباشر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
تهديد نووي!
وتكتسب التطورات الأخيرة خطورتها من تزامن أكثر من مسار تصعيدي في وقت واحد؛ تهديدات روسية ذات طابع نووي، وعمليات يُشتبه في ارتباطها بموسكو تستهدف البنية التحتية والفضاء السيبراني، وتحليق طائرات مسيّرة وصواريخ في أجواء دول أوروبية ومجاورة، مقابل تحرك أوروبي لتعزيز الدفاعات والردع ورفع كلفة أي استهداف للأراضي أو المصالح الأوروبية. حيث قالت وزارة الدفاع الفرنسية، اليوم الثلاثاء، إنها أجرت أول اختبار لإطلاق صاروخها الباليستي من الجيل الأحدث (إم51.3) الذي يطلق من الغواصات، مؤكدة بذلك قدرتها في مجال الردع النووي في ظل تصاعد التوتر مع روسيا.
وذكرت الوزارة في بيان أن الصاروخ، الذي لم يكن مزوداً برأس حربي نووي، أطلق قبالة سواحل بريتاني في إطار عملية للتأكد من قدرة الغواصة النووية لو فيجيلان على نشر هذا السلاح عقب إجراء صيانة شاملة لها.وهكذا تتآكل تدريجياً المسافة التي كانت تفصل «الحرب الهجينة» عن المواجهة العسكرية التقليدية.
لكن الخطر الذي يثير القلق في العواصم الأوروبية لا يرتبط بالضرورة بقرار روسي متعمد لفتح حرب مع الحلف، وإنما باحتمال سوء التقدير أو الحادث غير المحسوب: طائرة مسيّرة تسقط داخل دولة عضو، أو ضربة تتجاوز الحدود، أو عملية تخريب توقع خسائر بشرية، فتضع صانعي القرار أمام ضغوط للرد قد تتجاوز الحسابات السابقة.بُعد جديد أكثر خطورةوجاء التحذير الأشد وضوحاً على لسان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، التي قالت إن أوروبا تشهد تصاعداً في الهجمات الهجينة ومحاولات التخريب وانتهاكات المجال الجوي المنسوبة إلى روسيا، مشيرة إلى عبور صواريخ وطائرات مسيّرة روسية المجال الجوي لمولدوفا مجدداً.
تحذيرات
كما تزامن ذلك مع تحذير رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية مارتن ييغر من أن بلاده معرضة للانجرار إلى «صراع عنيف» مع روسيا، معتبراً أن المواجهة دخلت «بعداً جديداً وأكثر خطورة»، ومستشهداً بمحاولة هجوم بطائرة مسيّرة على مطار لايبزيغ.وتزداد حساسية المشهد في بحر البلطيق، حيث وجهت موسكو تحذيراً نووياً إلى «الناتو»، مؤكدة استعدادها لاستخدام «كامل ترسانتها»، بما فيها الأسلحة النووية، إذا حاول الحلف عزل كالينينغراد.ويرى باحثون أن المواجهة الروسية مع أوروبا قد تجري على ثلاثة مسارات متوازية: حرب عسكرية في أوكرانيا، وحرب هجينة خصوصاً في شمال وشرق أوروبا، وحرب سياسية وإدراكية تستهدف تماسك القارة وقدرتها على مواصلة دعم كييف.
نحو مواجهة أوسع
إلى ذلك، يرى د. ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن الحرب في أوكرانيا تشهد تحولاً تدريجياً نحو مواجهة أوسع بين روسيا والدول الأوروبية، بالتوازي مع تصاعد الإنفاق العسكري، وتوسيع الميزانيات الدفاعية، وتكثيف الاستعدادات العسكرية والتكنولوجية.ويشير بريجع إلى أن المواجهة لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، وإنما باتت تشمل الحرب التكنولوجية والهجينة، واستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، واستهداف منشآت في العمق الروسي، بما في ذلك المنشآت الصناعية والنفطية والموانئ والمراكز الاستراتيجية، معتبراً أن استمرار هذا النمط من التصعيد يصعب معه التكهن بالشكل الذي ستتخذه الحرب خلال الأشهر المقبلة، في ظل احتمالات استمرار التصعيد وتوسعه.
ويضيف أن الصراع تحول كذلك إلى سباق في التكنولوجيا والتسلح واختبار لأنظمة وتقنيات عسكرية جديدة، بما في ذلك أنظمة الدفاع، إلى جانب اختبار قدرة الدول الأوروبية على تطوير منظومات مشتركة للتعامل مع التهديدات الأمنية.ويطرح في هذا السياق تساؤلاً حول مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على تنسيق مواقفه السياسية والاقتصادية والعسكرية والعمل بصورة متماسكة أمام المخاطر المتزايدة.
ويعتبر بريجع أن التداعيات لا تقف عند حدود الحرب الروسية الأوكرانية، بل تتقاطع مع ملفات أخرى في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق، بينها التوترات المرتبطة بجورجيا وأبخازيا وأوسيتيا، والتباينات الروسية الأرمنية في ظل توجه يريفان نحو الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الخلافات مع أذربيجان، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والعقوبات ومشكلات تصدير السلع الروسية والتحويلات المالية.
الدعم الاوروبي
ويؤكد أن الدعم الأوروبي لأوكرانيا، سواء عبر المعلومات الاستخباراتية والأقمار الاصطناعية أو التكنولوجيا والطائرات المسيّرة والأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية، يجعل الصراع أكثر ترابطاً وتعقيداً، حتى مع بقاء المواجهة المباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي خارج إطار الحرب المعلنة.ويحذر بريجع من أنه إذا لم تتوقف الحرب مع نهاية العام، فقد يمتد الصراع إلى سنوات مقبلة، وصولاً إلى 2030، مع احتمال ظهور اشتباكات غير مباشرة بين روسيا و«الناتو» في منطقة البلطيق أو في دول أخرى من فضاء الاتحاد السوفييتي السابق.
كما يرى أن استمرار الحرب قد ينعكس على المشهد السياسي الأوروبي، مع صعود أحزاب وتيارات تدعو إلى الحوار والحلول الدبلوماسية مع موسكو، بما يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسك مواقفه وسياساته المشتركة تجاه روسيا.لعبة الحسابات الكبرى
بدوره، يرى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية والدولية، تيمور دويدار، أن قراءة التصعيد العسكري في أوروبا لا يمكن فصلها عن «اللعبة الكبرى» التي تتداخل فيها الحسابات الأمريكية والصينية والروسية، فضلاً عن الصراع على أسواق الطاقة ومسارات التجارة العالمية.ويقول دويدار إن الانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة تمثل عاملاً مهماً في حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتوازي مع المواجهة الاقتصادية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب سعي واشنطن، بحسب تقديره، إلى تعزيز موقعها في سوق الطاقة على حساب منافستها القديمة روسيا.
ويربط دويدار بين هذه المعادلات وبين اضطرابات الملاحة في منطقة الخليج والبحر الأحمر، مشيراً إلى أن إغلاق مضيق هرمز خلال فترات التصعيد، وتراجع حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، أديا إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وزيادة أسعار السلع المتجهة من شرق آسيا إلى الأسواق الأوروبية.
ويرى أن استهداف خطوط إمداد النفط في المنطقة وتراجع صادرات بعض الدول العربية من الطاقة يندرج أيضاً ضمن تداعيات هذه المعادلة الدولية الأوسع.
دور محوري
ويؤكد أن الولايات المتحدة تؤدي دوراً محورياً في توجيه الموقف الأوروبي تجاه روسيا، وأنها تدفع الأوروبيين إلى مواجهة موسكو بينما تتركهم في الواجهة المباشرة للصراع. ويعتقد أن الدول الأوروبية تدرك أنها غير جاهزة لخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، في حين أن موسكو تمتلك، في المقابل، جاهزية عسكرية واقتصادية للتعامل مع أي استهداف مباشر لأراضيها أو مصالحها، وكذلك لمصالح حليفتها بيلاروسيا.
ويحذر دويدار من أن أي اعتداء على روسيا أو بيلاروسيا قد تكون له، وفق تقديره، تداعيات دراماتيكية على معظم أوروبا، معتبراً أن القدرات الأوروبية على الردع لا تزال محدودة، كما يستبعد أن يكون حلف شمال الأطلسي مستعداً للتدخل في مواجهة مباشرة إذا انتقل التصعيد إلى مستوى استهداف روسيا أو بيلاروسيا.
وفي قراءته للمشهد الأوروبي، يشدد على أهمية الخلافات السياسية داخل القارة، خصوصاً بين فرنسا وألمانيا، إلى جانب التحولات في بريطانيا، معتبراً أن هذه التباينات يمكن أن تؤثر في قدرة أوروبا على تبني موقف تصعيدي موحد تجاه موسكو.
كما يرى دويدار أن التصعيد مع أوروبا ليس في مصلحة روسيا أيضاً، مستشهداً بالعلاقات الاقتصادية والتجارية الكبيرة التي كانت تربط موسكو بالاتحاد الأوروبي، خصوصاً ألمانيا قبل عام 2014، والتي يقول إنها تجاوزت 400 مليار يورو، قبل أن تنهار بفعل التصعيد العسكري والعقوبات وقطع إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا.
ويختتم دويدار بأن المرحلة المقبلة ستظل مفتوحة على عدة خيارات، وأن انتخابات نوفمبر في الولايات المتحدة قد تشكل محطة مهمة لفهم اتجاهات السياسة الأمريكية وانعكاساتها على الصراع الروسي الأوروبي.أما تحديد مسار المواجهة على المديين المتوسط والبعيد، فيبقى، وفق تقديره، أكثر صعوبة في ظل سرعة تغير المعطيات السياسية والعسكرية والاقتصادية.