لم تعد الحرب في أوكرانيا، بعد سنوات من اندلاعها، قابلة للفهم بوصفها مواجهة عسكرية ثنائية بين روسيا وأوكرانيا، بل باتت تتجه إلى مسار أكثر غموضاً، مع تصاعد ما يسمى «الحرب الهجينة»، التي تجمع بين التخريب والهجمات السيبرانية والحرائق واستهداف البنية التحتية الحيوية، دون الوصول حتى الآن إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فاختزال الخلاف الروسي–الأوروبي في حرب أوكرانيا لا يفسر جذور الأزمة كلها.

جوهر الصراع يتعلق بصورة أوسع بالنظام الأمني في أوروبا ومن يملك حق تحديد قواعده.

الاتحاد الأوروبي يزيد الإنفاق الدفاعي، والدول الأوروبية تعيد بناء صناعاتها العسكرية، فيما تدفع الحرب الحكومات الأوروبية إلى التفكير في الاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية.

لم يعد السؤال في أوروبا اليوم هو: هل عادت الحرب الباردة؟ بل أصبح أكثر تعقيداً: هل تتحول المواجهة الروسية–الأوروبية من حرب غير مباشرة وحرب استنزاف في أوكرانيا وحرب هجينة إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، فقد بات الحديث عن مواجهة مباشرة بين روسيا وأوروبا ينتقل تدريجياً من هوامش التحليل إلى قلب النقاش العام.

اتهامات

وجهت إستونيا اتهامات لروسيا بالوقوف وراء هجوم متعمد لإحدى منشآتها للصناعات الدفاعية، الأمر الذي قوبل بموجة تضامن أورو - أطلسية واسعة.

من جهته، اتهم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، أمس، أوروبا بشن «حرب» على بلاده، رداً على اتهامات غربية لموسكو بشن حرب متعددة الأدوات ضد الدول الأوروبية في وجه الاتحاد الأوروبي وحلفاؤه.

تحذير صريح مفاده أن خطر الحرب «أصبح حقيقياً» مرة أخرى، في ظل تصاعد نفوذ روسيا العسكري، لا سيما مع امتداد الصراع الروسي ـ الأوكراني، والفشل الواضح لمحاولات إدارة ترامب في إيجاد حلول حقيقية لإيقاف الحرب، وتآكل خطوط التماس، وتزايد الاختبارات الروسية لقدرة القارة على الردع.

لم تعد الهجمات بين روسيا وأوكرانيا ذات طابع رمزي يهدف إلى تحقيق أثر نفسي، كما كان في السابق، بل باتت تلحق أضراراً مباشرة وعنيفة بمصافي النفط، ومستودعات الوقود، ومصانع الصناعات الدفاعية، وخطوط السكك الحديدية، وأيضاً استهداف قلب موسكو في ظل تسليح أوروبي كبير لكييف، كما أن هناك مؤشرات خطيرة بدأت تظهر في أوروبا، ترجح حصول توتر متصاعد مع روسيا، في ظل تقديرات استخباراتية تتحدث عن احتمالات استهداف روسي لإسبانيا والدنمارك، أما موسكو فتقدم رواية مختلفة جذرياً: ترى أن توسع الناتو شرقاً، والدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، واقتراب البنية العسكرية الغربية من المجال الروسي، كلها عناصر في صراع أوسع على الأمن الروسي ونفوذ موسكو في محيطها.

وهنا تكمن العقدة: ما تعتبره أوروبا دفاعاً وردعاً، تعتبره موسكو تطويقاً وضغطاً؛ وما تعتبره موسكو حماية لأمنها، تعتبره أوروبا تهديداً لجيرانها، بل تعكس أيضاً سياسة ردع واستعداد تحاول أوروبا من خلالها منع الحرب قبل وقوعها.

إعادة تسليح

منذ أن بدأت الحرب والكتّاب يقولون إن روسيا تخوض صراعاً عالمياً، والوصف الذي كان قد يُعتبر مبالغة كبيرة هو الآن وجهة نظر لها وجاهتها خارج روسيا أيضاً.

فقد كشفت التطورات أن أوروبا دخلت فعلاً مرحلة إعادة تسلح واسعة، ولم تعد تتحدث عن السلام أو التعايش مع روسيا في القارة الأوروبية، فهناك بنية أوروبية لإدامة القدرة العسكرية الأوكرانية.

وداخل هذه البنية تؤدي بريطانيا وألمانيا دورين شديدي الأهمية، فيما تتحرك فرنسا في الاتجاه نفسه، فقد تعهّد المستشار الألماني فريدريش ميرتس أخيراً بجعل الجيش الألماني «أقوى جيش تقليدي في أوروبا»، وبإرسال جنود إلى خارج الحدود، ونشر قواته في ليتوانيا للدفاع عن الجار الأوروبي.

كما أن الاتحاد الأوروبي واصل تشديد العقوبات على روسيا، ووصل في يوليو 2026 إلى الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات، مستهدفاً قطاعات الطاقة والمال والتكنولوجيا والصناعة العسكرية الروسية.

إنه تحول تاريخي يتجاوز أوكرانيا نفسها. لم تعد أوروبا تتعامل مع الدفاع باعتباره ملفاً ثانوياً.

وكالة الدفاع الأوروبية تتوقع وصول الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الـ27 إلى 454 مليار يورو في 2026، مقابل 418 ملياراً في 2025، كما أن الحرب أعادت مسألة القوة العسكرية إلى قلب السياسة الألمانية، ودفعت برلين إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع صناعتها العسكرية، والبحث عن قدرة أكبر على خوض حرب أوروبية طويلة إذا اقتضى الأمر، لكن هناك نقطة مهمة: التسلح لا يعني بالضرورة الاستعداد لبدء الحرب؛ قد يكون الهدف منه تحديداً جعل الحرب أقل احتمالاً.

في المشهد الأوروبي الراهن، تبدو الولايات المتحدة في موقف شديد التعقيد: فهي لا تريد أن تنتصر روسيا في أوكرانيا، ولا تريد انهيار الردع الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للعودة إلى نموذج تكون فيه واشنطن الممول والحامي الرئيسي لأوروبا.